وكان اعتمادهم أولًا على الحفظ والضبط في القلوب غير ملتفتين إلى ما يكتبونه محافظة على هذا العلم كحفظهم كتاب الله سبحانه وتعالى فلما انتشر الإسلام واتسعت الأمصار وتفرقت الصحابة في الأقطار ومات معظمهم وقل الضبط مست الحاجة إلى تدوين الحديث وتقييده بالكتابة.
يرجع عهد تدوين الحديث إلى عصر الصحابة رضي الله عنهم. فقد كان منهم عدة أشخاص يكتبون ويحدثون مما كتبوا1 لكن معظمهم كانوا يعون ذلك في صدروهم إذ نهوا عن كتابة الحديث2 في بدء الإسلام خشية اختلاطه بالقرآن. اتبع كبار التابعين الصحابة الكرام في اهتمامهم بشأن الحديث ونشره بطريق الرواية إلى أن وضع زمام الخلافة في يد الإمام العادل عمر بن عبد العزيز فأمر بكتابة الحديث على رأس المائة. قال البخاري في صحيحه في كتاب العلم: وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء ولا تقبل إلا حديث النبي صلى الله عليه وسلم وليفشوا العلم وليجلسوا حتى يعلم من لا يعلم فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرًّا. وكذلك كتب إلى عماله في أمهات المدن الإسلامية بجمع الحديث.
أول من دون الحديث بأمر عمر بن عبد العزيز محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري أحد الأئمة الأعلام وعالم أهل الحجاز والشام، أخذ عن جماعة من صغار الصحابة وكبار التابعين. ثم فشا التدوين في الطبقة التي تلي طبقة الزهري. فكان أول من جمعه ابن جريج بمكة، وابن إسحاق أو مالك بالمدينة، والربيع بن صبيح أو سعيد بن أبي عروبة أو حماد بن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ذكر البخاري في صحيحه في كتاب العلم أن عبد الله بن عمرو كان يكتب الحديث فإنه روي عن أبي هريرة أنه قال: ما من أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر حديثًا عنه مني إلا ما كان عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب.
2 أخرج مسلم في صحيحه في كتاب الزهد"باب التثبت في الحديث"عن أبي سعيد الخدري أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه وحدثوا عني ولا حرج، من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار".