بسم الله الرحمن الرحيم.
هل يَتَيمَّمُ المُرابطُ في الثغور لأجْلِ البرد؟.
رقم الفتوى: 7/ 1 / 303
سُئلَ عَمَّنْ احْتََلَمَ مَنَ المُرابِطينَ في لَيْلَةٍ شَديدَةِ البَرْد؛ هَلْ يُجْزِئهُ التيمُّمُ؟؛ أم يلزَمَهُ تَسخينُ الماء؟؛ وإنْ كانَ لا يَسْتَطيعُ الاغْتسالَ إلا بعْدَ طلُوعِ الشمسِ لشدَّةِ البرْدِ؛ فماذا يَصْنع؟.
فأجابَ: حمدا لله؛ وبعد:
فإذا كانَ الحالُ ما ذُكِرَ مِنْ شدَّةِ البردِ بحَيثُ لا يَقْدِرُ على الاغتِسالِ خَشْيَةَ الضرر؛ فإن أمْكَنَهُ تَسخينُ الماءِ والاغتِسالُ ولا ضَرَرَ يَلْحَقُهُ فالاغتسالُ واجبٌ عَلَيه، شَريطَةَ أن لا يُؤدِّيَ ذلكَ إلى تَفْويتِ ما أوكِلَ إليهِ مِنْ حِراسَةِ الثغْرِ ونَحْوِها؛ فإنْ وَجدَ مَنْ يَنُوبُ عنه في ذلك فَعَلَيْهِ الاغْتسالُ أيضًا، فإنْ لمْ يكنْ فلا حَرَجَ عليهِ أنْ يَتَيمَّمَ ويُصَلِّي؛ ويلزمَ نَغْرَهُ حِياطَةً لِمَنْ وراءَهُ من المُسْلِمين.
فإنْ خَشِيَ شِدَّةَ البردِ معَ تَسخينِ الماءِ؛ أو لمْ يَكُنْ هُناكَ مكانٌ مُعَدُّ للاغِتِسالِ يَمْنَعُ عَنْهُ البردُ فلا حَرَجَ عَليهِ أنْ يتَيَمَّمَ أيضًا؛ لِقَوْلهِ تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلاّ وُسْعَها} ؛ وقَوْلِه: تعالَى: {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} ؛ وقَولِهِ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم: (إذا أمَرْتُكُمْ بأمْرٍ فأتُوا مِنْهُ ما استَطَعْتُم) ، ويُصلِّى في الوقِتِ ولا ينْتَظِرُ طُلوعَ الشمس؛ لِقَوْلِهِ تعالى: {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} ، أي: مَحْدُودَ الأَوْقاتِ لا يَجُوزُ إِخْرَاجُها عَنْ أَوْقَاتِها فَي شَيءٍ مِنَ الأَحْوالِ، سِيقَ مساقَ التعْليلِ للحِرْصِ على أدائها في أوقاتِها، وقدْ بُيِّنَتْ أَوْقاتُها في مَواضِعَ أُخرى مِنْ كتابِ اللهِ تعالى، كما بَينَها النبيَّ صلى الله عليه وسلم بِسُنَّتِهِ القولِيَّةِ والعَمَليَّة، ورُويَ نَحْوُهُ عن ابنِ مَسعُودٍ رضيَ اللهُ عَنه؛ وعن زَيدِ بنِ أسلم، قال البَيْضاوي: تعليلٌ للأَمْرِ بالإِيتاءِ بِها كَيْفَما أَمْكَن.
وعَن ابنِ عباس رضي اللهُ عنه: مَوْقُوتًا: مفروضًا، فهما لفظانِ بِمَعْنَىً واحدٍ كُرِّرَ مُبالَغَةً.
ودليلُ ما ذكرناهُ مِن التيمُّمِ خَشْيَةَ البرد ما رواهُ أحمدُ في المسندِ وأبو داود والدارقُطْنِيُّ في السنَنِ عَنْ عَمْرو بن العاص قال: احْتَلمتُ في ليلةٍ بارِدَة في غَزْوَةِ ذاتِ السلاسل؛ فأشْفَقْتُ إن اغْتَسَلْتُ أنْ أَهِلِكَ؛ فتَيَمّمْتُ ثم صَليتُ بأصحابِي الصبْحَ؛ فَذكروا ذلكَ للنبِيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ؛ فقال: ياعَمرو؛ صليتَ بأصحابكَ وأنْتَ جُنُب!؛ فأخْبَرْتَهُ بالذي مَنَعَنِي مِنَ الاغْتِسالِ؛ وقُلْتُ: إني سَمِعْتُ اللهَ يَقُول: {ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكَمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} ؛ فضحكَ رَسُولُ الله صلى اللهُ عليهِ وسلم ولم يقل شيئًا.
وصلى اللهُ علَى مُحَمَّدٍ وعلى آلِهِ وسلم.
وكَتِبَ: أبو الوليدِ الغَزِّيُّ الأنصاريُّ