بسم الله الرحمن الرحيم
هَل الجِهادُ من الأعْذارِ المُبِيحَةِ للتَّيَمُّمِ؟.
رقم الفتوى: 7/ 2 / 303
وسُئِلَ عَمَّنْ يَسْتَبِيحُ التيَمُّمَ في الجِهادِ ولَوْ وُجِدَ الماءُ وَكانَ قادِرًا علَى اسْتِعْماله؟.
فأجاب: الحمدُ لله؛ وبَعْد:
فإنَّ الشارِعَ وإنْ أباحَ للمُسافِرِ التَّيَمَ في السفَرِ بِدَليلِ الكِتابِ والسنَّةِ؛ ومِنْهُ السفَرُ للجهاد؛ كما أباحَ التيممَ لغَيْرِ المُسافِرِ أيْضا، إلا أنَّ جوازَ التيمُّمِ مُعَلَّقٌ بِفُقْدانِ الماءِ لقَوْلِهِ تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} ؛ وذِكْرُ السفَرِ لأنَّهُ مَظِنَّةُ عَدَمِ الماء؛ وَالمَرَضُ مَظِنَّةُ المَشَقَّةِ، وألْحِقَ بِهِ عدَمُ القدْرَةِ علَى استِعمالِ الماءِ لبرْدٍ ونَحْوهِ كما دلَّتْ عليهِ السنة، وإلا ففي الآيَةِ ذكْرُ الحدثِ ومُلامَسَةِ النساء؛ وهذا يكُونُ من المُسافِرِ وِمن المُقيمِ أيضا.
قالَ الشوكانِيُّ في السيل: وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ تَعَذُّرُ اسْتِعمالِ الماءِ لِمَانِعٍ فِي نَفْسِ الماءِ أو لِمَانِعٍ فِي الْمُكَلَّفِ فِإنَّ ذلِكَ بِمَنْزِلَةِ عَدَمِ الماءِ. انتهى.
أما إن وُجِدَ الماءُ وكانَ قادرًا على اسْتِعْماله؛ فاستِعْمالُهُ فِي رَفْعِ الأحداثِ واجبٌ لا يَسَعُهُ ترْكَه؛ للأمرِ بالغَسْلِ في آيةِ الوضُوء؛ ولِقَوْلِهِ صلى الله عليهِ وسلم آمِرًا بِهِ أيضًا فيما رَواهُ أحمدُ في المسْنَدِ وأبو داودَ والترمَذيُّ في السنَنِ مِنْ حديثِ أبِي ذرٍّ رضيَ الله عَنْه، قال الألبانِيُّ: وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِإِسْنادٍ صَحِيحٍ: (إنَّ الصعِيدَ الطَّيِّبَ طًهٌورُ المسلمٍ وإِن لَم يَجِدِ الماءَ عَشْرَ سِنِينَ؛ فإذا وَجَدَ الماءَ فلْيُمِسَّهُ بَشْرَتَهُ؛ فإنَّ ذلكَ خَيْرٌ) .
أما الجهادُ فَليْسَ مِن الأَعْذارِ المُبِيحَةِ للتَّيمُّمِ؛ ولمْ يَرِدْ في الشرْعِ ما يَدُلُّ عَلَيْه؛ ولا أعْلَمُ مِنْ أهلِ العِلْمِ أحدًا قالَ بأنَّ للمُجاهِدِ أنْ يَعْدِلَ إلى التيمُّمِ مَعَ وجُودِ الماءِ وقُدْرَتِهِ عليه وعَلَى اسْتِعْمالِه، بل في سِيرَةِ النبِيِّ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ ومَغازِيهِ ما يَدُلُّ عَلَى خِلافِ ذلكَ كما وقعَ لما أُمْطِرُوا يَومَ بَدْرٍ، وفي خبرِ مَزادَةِ المَرأةِ المُشْركَة؛ وفي نبعِ الماءِ منْ بَينِ أصابِعِهِ صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليه.
نَعَمْ قالَ ابْنُ مُفْلِحٍ في الفُرُوع (مِنْ كُتُبِ الحَنابِلَة) : مَسْأَلَةٌ: قَوْلُهُ: وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ فِيمَنْ هُوَ فِي الْغَزْوِ وَتَحْضُرُ الصَّلَاةُ وَالْمَاءُ إلَى جَنْبِهِ؛ يَخَافُ إنْ ذَهَبَ إلَيْهِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ فَوْتَ مَطْلُوبِهِ، فَعَنْهُ (يَعْنِي عَنِ الإمام أحمد) : يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي؛ اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَعَنْهُ: لَا يَتَيَمَّمُ وَيُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ؛ وَعَنْهُ: إنْ لَمْ يَخَفْ عَلَى نَفْسِهِ تَوَضَّأَ وَصَلَّى؛ ...