ثُمَّ إنَّ ذلكَ رُبُّما فَتَّ فِي عَضُدِ شُجْعانِ الأُمَراءِ وَالمُقاتِلَةِ إذا عَلِمُوا أنَّهُم يُصْنَعُ بِهِم بعدَ مَوتِهِم ذلك!؛ وكانَ المُتَعَيِّنُ إكْرامَهُمْ وصِيانَتَهُمْ فِي حَياتِهِمْ وبَعْدَ مَوتِهم، وما مِن إنْسانٍ سَوِيٍّ إلا وهُو يَحِبُّ أنْ يُصْنَعَ بِه بَعْدَ مَوتِهِ ذلك، ولذا كانَ دَفْنُ المَيِّتِ مِن إكْرامِهِ؛ وقدْ أمرَ النبِيُّ صلى اللهُ عَلَيهِ وسلمَ عَلِيًا بدفْنِ عَمِّهِ أبِي طالِب معَ أَنَّهُ ماتَ عَلى الشرْكِ فَكانَ دَفْنُ المُسْلِمِ أَولَى، وفِي مُوَطَّأ مالكٍ وُسُنَنِ أبي داودَ وعِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ فِي الصحيحِ مِنْ حَديثِ عائِشةَ مَرْفُوعًا: كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِ عَظْمِ الحَيِّ، وَرَوَاهُ ابنُ ماجَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ؛ وَزَادَ: فِي الإِثْم، والحديثُ صحِيحٌ كما فِي إِرْواءِ الغَلِيل؛ وقَدْ أطالَ الألْبانِيُّ الكلامَ فِي تَخْريجِهِ فِي أحكامِ الجنائزِ؛ فانْظُرْهُ هناك، ونَقَلَ عَن كَشافِ القِناعِ قَولَ الحنابِلَة: (وَيَحْرُمُ قَطْعُ شَئٍ مِنْ أَطْرافِ الْمَيِّتِ، وإِتْلافِ ذَاتِهِ، وإحْراقِهِ، ولَوْ أَوْصَى بِهِ!) ، وقالَ الحافِظُ فِي الفَتْح: يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ حُرْمَةَ المؤْمِنِ بَعْدَ مَوْتِهِ بَاقِيَةٌ كَمَا كانَتْ فِي حَيَاتِهِ. انْتَهى، وعَنِ ابنِ حجَرٍ الفَقِيهِ في الزَّوَاجِرِ أَنَّهُ مِن الكَبائِر، واستَنْبَطَ العُلَماءُ مِنْهُ تَحْرِيمَ نَبْشِ قَبْرِ المُسْلِمِ، حَتَّى كَرِهَ الشافِعِيُّ أنْ يُدْفَنَ فِي البَقِيعِ لِكَثَرَةِ مِن يَدْفَنُ فِيهِ خَشْيَةَ أنْ تُنْبَشَ لأَجْلِهِ عِظامُ مَيِّت، وبالحَديثِ اسْتَدَلَّ مَنْ مَنَعَ مِن العُلَماءِ مِنْ نَقْل الأَعْضاءِ بِحُصُولِ ما يُعْرفُ في الطبِّ (بالمَوتِ الدِّماغِي) ؛ ومَنْ قالَ بالمَنْعِ من التَّبَرُّعِ بالأعْضاءِ مُطلقا، كَما اسْتُدِلَّ بهِ عَلَى المَنْعِ مِن اسْتِخْدامِ جُثَّةِ المُسْلِمِ في دِراسَةِ الطب، بل استَدلَّ بهِ الحَنابِلَةُ علَى المَنْعِ مِن شقِّ بَطنِ الحامِل المَيِّتَةِ مِن أَجْلِ حَمْلِها؛ وعَلَّلُوا المَنْعَ بِأنَّهُ هَتْكٌ لِحُرْمَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ مُحافَظَةً علَى حًياةٍ مَوْهُومَة؛ وإنْ كانَ الصوابُ التفصيل.
والمَقْصُودُ أنَّ المَنْعَ مِمَّا وَرَدَ فِي السؤالِ هُو الصَّحِيحُ الذي يُؤَيِّدُهُ الدليل، والمصالِحُ المُعْتَبَرَةُ فِي المَنْعِ أولَى مِن المَصْلَحَةِ المُشارِ إِلَيْها، والجِهادُ فِي سَبيلِ اللهِ عِبادَةٌ مِن العِباداتِ لا يَصُدُّ المُسْلِمَ عَنْها مَوتُ قائِدٍ ولا أَمِير، ولَيْسَ ضَعْفُ الهِمَمِ وخَورُ العَزائمِ والخُضُوعُ للأَحْزانِ مِن شَانِ أَهْلِ الإسْلام، ولا بُدَّ مِن تَرْبِيَةِ النُّفُوسِ عَلى الجلَدِ والصَّبْرِ والاحْتِمالِ؛ وقدْ قالَ تعالَى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ، وتَأَمَّلْ كَيفَ أَمَرَ النبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسلَّمَ بإنفاذِ بَعْثِ أسامَةَ رَضيَ اللهُ عَنْهُ وهُو عَلى فِراشِ المَوتِ!، فكانَ امْتِثالُ أمْرِهِ وخُرُوجُ أصْحابِهِ إلَى غَزْوِ الرومِ دُونَ أنْ يَصُدَّهُمْ عَن ذلكَ مَوتُ نَبِيِّهِمْ صلَواتُ اللهِ وسلامُهُ عَلَيه سَبَبًا لِهِزِيمَةِ الرومِ وإلْقاءِ الرعْبِ فِي قُلُوبِهم؛ إذ كانَ يَظُنُّونَ أنَّ مَوتَهِ مِما يَثْنِي عَزَائِمَهُمْ عَن الغزْو والقِتالِ كما هُو المَعْهُودُ إذا ماتَ كَبِيرُ القَومِ والمُطاعُ فِيهم!، وكانَ قَدْ بِلَغَ الرومَ خَبَرُ وفاةِ رَسُولِ اللهِ صلَواتُ اللهِ وسلامُهُ عَلَيه؛ فَطَمِعُوا فِي أَهْلِ الإسْلامِ لَولاَ أن المُسْلِمينَ دَخَلُوا دِيارَهُم فاتِحين!.
ثُمَّ ما يُدْرِينا؛ قَدْ يَكُونُ فِي اطِّلاعِ العَدُوِّ أَوْ بَعْضِهِ عَلى مَقْتَلِ القائدِ المُسْلِمِ فِي عَرَصاتِ النزالِ وفِي مُقَدِّمَةِ الصفُوفِ سَبَبٌ داعٍ لإسْلامِهِمْ؛ فإنَّ الأُمَمَ الأُخْرى وإنْ كانَ فِيها مِن شُجْعانِ المُقاتِلَةِ ما لا يُنْكَرُ فَإنَّ فِي أَهْل الإسلامِ بِحَمْدِ اللهِ تعالَى أَضعافَهُ؛ وما ذلكَ إلا لأثَرِ الإيمانِ باللهِ تعالَى وبِاليومِ الآخِرِ عَلَى ثَباتِ النفُوسِ وتَضْحِيتِها وبَذْلِها فِي سَبيلِ الله؛ وذلكَ لا وُجُودَ لَهُ في الأمَمِ الكافِرَةِ!!؛ فَيَكُونُ هذا مِن أَعْظَمِ أسْبابِ الدَّعْوَةِ إلَى دِينِ الإسلامِ بالقُدْوَةِ والعَمَل، ومَن طالَعَ كُتُبَ التوارِيخِ رَأى فِيها منَ الحوادِثِ ما يَشْهَدُ لما ذكَرْناه.
والأَصْلُ فِي الحَرْبِ أَخْذُ الحَيْطَةِ والحَذرِ فِي شَأنِ القائدِ أكْثَرَ مِن غَيْرِهِ؛ لِما عُلِمَ مِن أنَّ العدَوَّ يَقْصِدُهُ ويَتَعَمَّدُهُ تَخْضِيدًا للشَّوْكَةِ وطَمَعًا فِي إصابَةِ المَقاتِل، وهذا مِن الأسْبابِ التِي يَجِبُ الأخْذُ بِها، وقَدْ كانَ النَّبِيُّ صلى اللهُ علَيهِ وسلمَ يُبْنَى لَهُ العَريشُ خَلْفَ الصفُوفِ، ويَقُومُ عَلَيهِ مَن يَحْرُسُهُ؛ فإذا حَمِيَ الوطِيسُ كانُوا يَتَتَرَّسُونَ بِهِ فِي القِتالِ، فَعَلَى القائِدِ أنْ يَصْنَعَ مِن ذلكَ ما فِيهِ مَصْلَحَةُ المُسْلِمين، فإنْ رَأى مِن جُنْدِهِ إقْداما عَلى العَدُوِّ والريحُ لَهُمْ فَلَيَكُنْ خَلْفَهُمْ حَذرًا من أنْ يُصابَ فَيُصابَ الجَيْشُ بِمُصابِه، وإنْ رأى فِي جُنْدُهِ ضَعْفًا وكانَ فِي تَقَدُّمِهِ تَثْبِيتٌ وَمُؤازَرَةٌ لَهم وشَدٌّ لِعَضُدِهمْ فَليَفْعَل، فإنْ أَصِيبَ وأمْكَنَهُمْ دَفْنُهُ أو أوْ حَمْلُهُ مَعَهُمْ أو إخْفاؤُهُ؛ فَنعَم، وإلا تَرَكُوهُ عَلى حالَهِ، ولا يُكَلِّفُ الله نفسا إلا وُسْعَها، ولله عاقِبَةُ الأمور.