الصفحة 104 من 207

ولَئنْ عَجِبْتَ مِن هَذهِ؛ فاعْجَبْ إذَنْ مِن كَونِ بِلادِ الإسلامِ تُقْتَطَعُ مِن أهْلِها بَلْدَةً علَى إثْرِ بَلْدَةٍ بِمِثْلِ هذهِ الحُجَجِ الداحِضَةِ المُزَيَّفَةِ مِنْ وقَتْ مُحاوَلاتِ النّصارَى للإطاحَةِ بِدَولَةِ الإسلامِ فِي الأنْدَلُسِ فِي القَرنِ الخامِسِ الهِجْرِيِّ؛ وإلَى يَومِنا هَذاَ!، ومَعَ ذلكَ فَقَلَّ أنْ تَجِدَ من يَرْعَوِي ويَعْتَبِرُ، وما رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ للعَبيد؛ {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .

وجُمْلََةُ القَوْلِ أنَّ مَا سُقْناهُ مِن الأدِلَّةِ فِي هذا المَوضِعِ قاضِيَةٌ بأنَّ مُعاضَدَةَ الكُفارَ وإعانَتَهُمْ علَى مُحاصَرَةِ أهْلِ الإسلامِ مِن أعْظَمِ النواقِضِ لِشَرِيعَةِ الإسلامِ، وأنَّ مَن صَنَعَ ذلكَ كانَ حُكْمُهُ حُكْمَ العَدُوِّ الصائلِ الذِي يُشارِكُهُ؛ يُقَاتَلُ قِتالَهُ؛ ويُقْتَلُ دَفْعًا لِشَرَّهِ عَن الإسلامِ وأهْلِهِ، وهُو مِن العَدُوِّ الذِي يُفْسِدُ الدّينَ والدُّنْيا فَلا شَيءَ أوجَبُ بَعْدَ الإيمانِ من دَفْعَهِ.

قالَ ابنُ حَزمٍ فِي المحلّى رَحِمهُ الله (5/ 419) : وقال تعالَى {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} ؛ فَفَرْضُ علينا إرْهابُهُم؛ وَمن أعانَهُمْ بِما يُحْمَلُ إلَيهِم فلَمْ يُرهِبْهُم؛ بلْ أعانَهُمْ علَى الإثْمِ والعُدْوانِ. انتهى.

وأما ما ذُكِرَ فِي السؤالِ مِن اعْتِذارِ بَعْضِهِم بالجَهْلِ والإكْراهِ ونَحْوِهِ عَن القِتالِ مَعَ العَدُوِّ فَلا عِبْرَةَ بِهَذا؛ والصائلُ يُدْفَعُ ولَو كانَ جاهِلًا أو مُكْرَها، ثُمَّ إنَّ الإكْراهَ أمْرٌ باطِنٌ لا سَبِيلَ إَلَى الاطِّلاعِ علَيهِ؛ وَكَثِيرٌ من الناسِ يَظُنُّ أنََّ فَواتَ شَيءٍ مِن دُنْياهُ مِن الإكْراهِ الذِي يُبِيحُ لَهُ أنْ يَقْتُلَ المُسْلمينَ ويَفْعَلَ بِهِم ما يَشاءُ!؛ كَما هُو حالُ كَثِيرِينَ من المُشارِ إلَيْهِم فِي السؤالِ، بَل الواجِبُ عَلَى مَن كَانَ مُكْرَها حَقًّا - إنْ وُجِدَ بَيْنَهُم - أنْ يَسْعَى فِي تَخْلِيصِ نَفْسِهِ من سُلطانِ مُكْرِهِهِ بِكُلِّ حِيلَةٍ ووسِيلَةٍ؛ وأن لا يَكُفَّ عن طَلَبِ الخَلاصِ من ذلكَ جُهْدَهُ، ولا يَحِلُّ لَهُ أنْ يُقاتِلَ أحَدًا من المُسْلمِينَ أو يَقْتُلَهُ؛ وإنْ أكْرِهَ علَى ذلك، ثَمَّ إنّ اللهَ تعالَى ما كَلَّفَ المُسْلِمينَ المُجاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ بِالتّمْيِيزِ بَيْنَ المُكْرَهِ مِنْ عَدُوِّهِمْ وغَيرِ المُكْرَهِ، فَذلكَ مِما لا قُدْرَةَ لَهُمْ علَيْهِ؛ ولا طاقَةَ لَهُمْ بِهِ، وفِي الشرْعِ مِما يَدُلُّ علَى هَذا الحُكْمِ كَثِيرٌ، كَحْدِيثِ الجَيشِ الذِي يَغْزُو الكَعْبَةَ؛ وفِي بَعْضِ طُرُقِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: إِنَّ ناسًا مِن أُمَّتِي!، قال الحافظُ: قَالَ الْمُهَلَّبُ: فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ مَنْ كَثَّرَ سَوَادَ قَوْمٍ فِي الْمَعْصِيَةِ مُخْتَارًا أَنَّ الْعُقُوبَةَ تَلْزَمُهُ مَعَهُمْ. انتهى.

وكالذِي رُويَ عن ابنِ مَسعُودٍ مَرفُوعًا: مَن كَثَّرَ سَوادَ قَومٍ فَهُوَ مِنْهُم؛ ومَن رَضِيَ عَمَلَ قَومٍ كانَ شَريكَ من عَمِلَ بِهِ، قالَ الحافِظُ: ولَهُ شاهِدٌ غَيرُ مَرفُوعٍ عن أبِي ذَرٍّ فِي الزهْدِ لابنِ المُبارَكِ.

وقَد استَدَلَّ الفُقهاءُ رحِمَهُم اللهُ بِهذا علَى جُمْلَةٍ من الأحْكامِ:

مِنْها: أنهُ لا قَوَدَ علَى من قَتَلَ مُسلِمًا ظَنَّهُ مُشرِكًا بَينَ الصفّيْنِ، قَالُوا: هَذَا إذَا اخْتَلَطُوا، فَإنْ كانَ فِي صَفِّ المُشْرِكِينَ لاَ يَجِبُ شَيْءٌ - يَعْنُونَ: لا القَوَدَ ولا الديةَ - لِسُقُوطِ عِصْمَتِهِ، قَالَ عَلَيهِ الصلاَةُ والسلاَمُ: مَنْ كَثَّرَ سَوادَ قَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ. قالَ فِي الدرِّ المُخْتارِ من كُتُبِ الحَنفِيةِ: قُلْتُ: فَإذَا كانَ مُكَثِّرُ سَوَادِهِمْ مِنْهُمْ وَإِنْ لَمْ يَتَزَيَّ بِزِيِّهِمْ فَكَيْفَ بِمَنْ تَزَيَّا، قالَهُ الزاهِدِيُّ. انتهى.

قالَ أبو الوَلِيدِ عَفا اللهُ عَنه: وإذا كانَ هذا حُكْمُ المُتَزَيِّي؛ أنهُ مِنْهم!، فَكَيفَ بِمَنْ يُباشِرُ قِتالَ المُسْلمِينَ مَعهُم؟!.

ومِنها: ما فِي الكتابِ نَفْسهِ بَعْدَ الموضِعِ السابقِ: قالَ المُصَنِّفُ: حَتّى لَوْ تَشَكَّلَ جِنِّيٌّ بِما يُبَاحُ قَتْلُهُ كَحَيَّةٍ؛ فَيَنْبَغِي الإقْدَامُ عَلَى قَتْلِهِ؛ ثُمَّ إَذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ جِنِّيٌّ فَلاَ شَيْئَ عَلَى القَاتِلِ، واللهُ أَعْلَمُ. انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت