الصفحة 103 من 207

العِبْرَةِ للعاقِلِ، ولذا شَدَّدَ الشرْعُ فِي ذلكَ كما دَلَّتْ علَيهِ الآيَةُ الكَريمَةُ، فَتأمَّلْ كَيفَ ذكَرَ فِيها الذِينَ ظَلَمُوا؛ أي: وُجِدَ مِنْهُم الظلْمُ؛ ولم يَقُلِ الظالِمينَ!، ونَهَى عَن الركُونِ إلَيهِمْ ولَو شَيئًا يَسيرًا مَن رُكُونٍ!؛ حَتَّى جَعَلَ العُلماءُ من ذلكَ التَزَيِّيَ بِزِيِّهِمْ والتَشَبُّهَ بِهِمْ!، وتَوعَدَ علَى ذلكَ بالعَذابِ الذِي لا قُدْرَةَ لأَحَدٍ مِمَّنْ يَتَولَّوْنَهُ علَى تَخْلِيصِهِم مِنْهُ؛ ثُمَّ هُمْ مِن وَراءِ ذلكَ لا يَجِدُونَ ناصِرًا ولا مُعِينًا.

وقَدْ فَسرَ الزمَحْشَرِيُّ {الرُّكُونَ} بالشيْءِ اليَسير!؛ فَدَخَلَ ما هُوَ أعْظَمُ مِن الركُونِ فِي مَدْلُولِ الآيَةِ بِطَرِيقِ الأَولَى.

وَلَيْنَظُرْ مَن كانَ يُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخَرِ فِيما حَلَّ بأهْلِ الإسلامِ اليَومَ بِسَبَبِ العُدْوانِ علَى هَذا الركْنِ مِن الشريَعَةِ المُطَهّرَةِ؛ كَيفَ يَجِدُ أعْداءَ الإسلامِ قَدِ اسْتَمْرأوا تَشَتُّتَهَمْ؛ واسْتَحْلَوْا تَفَرُّقَهُمْ، حَتَّى صارُوا يَسْتَعِينُونَ بِبَعْضِهِمْ علَى بَعْضٍ!، فَكلّما أرَادُوا نَهْبَ بَلْدَةٍ مِن بِلادِهِمْ اسْتَعانُوا عَلَيْها بِمَنْ جاوَرَها؛ اسْتِعانَةَ الظالِمِ المتَسَلِّطِ بِمَنْ سُلِّطَ عَلَيْهِ؛ وفِينا قَومٌ مِن جِلْدَتِنا لَو سُئلُوا أنْ يَضَعُوا خُدُودَهُمْ عَلَى الأرْضِ لَيطَأهَا أَعْداءُ الدّينِ لَصَنَعُوا ولَبادَرُوا إلَيْها صاغِرِينَ فَرِحِينَ!، بلْ قَدْ فَعَلَوا ولاَ يَزالُونَ يَفْعَلُونَ! واللهِ، فَإنْ أنْكَرَ عَلَيْهِم مُنْكِرٌ ساقَ المُجادِلُونَ عَنْهُمْ كَلَّ شُبْهَةٍ تَخْطُرُ لَهُم عَلى بالٍ؛ وحَرَّفُوا الكَلِمَ عَن مَواضِعِهِ لَيًّا بألْسِنِتِهِمْ لَِيَحْسَبَهُ الناسُ من الكِتابِ وما هُو مِن الكِتابِ!؛ ويَقُولُونَ هُو مِن عِنْدِ اللهِ وما هُو مِن عِنْدِ اللهِ!! ...

فَيْجْعَلُونَ مِن تَجْويزِ الأَئِمَّةِ الاسْتِعانَةَ بالكُفارِ بِشُروطها المَعْروفَةِ دَلَيلًا عَلَى جَوازِ إعانَتِهِمْ فِي مُحارَبَةِ أهْلِ الإسلامِ وانْتِزاعِ أرْضِهمْ وأوطانِهِم مِنهم! ...

ويَجْعَلُونَ مِن حِمايَةِ أَطْرافِ البِلادِ وحِراسَةِ حُدُودِها دَلِيلًا علَى مُشارَكَةِ العَدُوِّ الصائلِ من اليَهُودِ والنصارَى فِي مُحاصَرَةِ المُسلمِينَ والتضْيِيقِ عَلَيهِمْ حَتَّى ولَو ماتَ المُسلِمُونَ المُحاصَرُونَ عن بَكْرَةِ أبِيهِم قَتْلًا وَمَرَضًا وجُوعًا!.

ويَجْعَلُونَ مِمَّا قَرَّرَهُ الشارِعُ لأهْلِ الذِّمَةِ مِن الحُقُوقِ والواجِباتِ ذَرِيعَةً إلَى تَجْوِيزِ دُخُولِ العَدُوِّ المُحارِبِ فِي عَدَدِهِ وعُدَّتِهِ إلَى بِلادِ الإسلامِ؛ يَقاتِلُ مِنها من شاءَ من المُسلمين!، ثُمَّ هُمْ مَعَ ذلكَ يُقَدِّمُونَ للعَدُوِّ ما يَحْتاجُهُ مِن مِيرَةٍ ومَؤُونَةٍ وحِمايَةٍ!؛ ويَزعُمُونَ أنَّ هذا المُحارِبَ لأهْلِ الإسلامِ هُو الذمّيُّ الذي أمرَ اللهُ تعالَى بأنْ تُوفَّى لَهُ ذِمّتُهُ!.

ويَجْعَلُونَ مِمّا أمَرَ اللهُ تعالَى بِهِ مِن الوفاءِ بالعُهُودِ والمَواثِيقِ وسِيلَةً إلَى إعانَةِ العَدُوِّ علَى قِتالِ المُسلمِينَ وقَتْلِهِمْ؛ بلْ وعلَى قِتالِ المُجاهِدِينَ الذابِينَ عَن كَرامَةِ المُسلمِينَ!.

ويَجْعَلُونَ مِما أرْشَدَ الشرْعُ إلَيهِ من مُجادَلَةِ أهْلِ الكِتابِ بالتِي هِيَ أحْسَنُ لإغْرائِهِم علَى اعْتِناقِ الإسلامِ والدُّخُولِ فِيهِ طِرِيقًا إلَى ما يُسَمُّونَهُ (حِوارَ الأدْيانِ) وَ (تَقارُبَ الأدْيانِ) !؛ مَعَ أنّ مَضْمُونَ هَذِهِ الدَّعْوَةِ هَدْمُ أصُولِ الإسلامِ وزَعْزَعَةُ أرْكانِهِ وعَقائِدِهِ!.

ومِثْلُ هَذا كَثِيرٌ؛ لا نَقْصِدُ هُنا تَتَبُّعَهُ وحَصْرَهُ.

ومِنَ المُضْحِكاتِ المُبْكِياتِ أنْ يُعانَ العَدُوُّ - بِقَصْدٍ أوْ غَيرِ قَصْدٍ - علَى مَقاصِدِهِ مِن بِلادِ الإِسلامِ بِنَحْوِ دَعْوَى تَحْرِيمِ الجِهادِ! عَلَى أهْلِ البِلادِ التِي يَقْصِدُها العَدُوُّ؛ وغَيرِها من الفَتاوِي الجارِيَةِ علَى نَحْوِ ما أشَرْنا إلَيهِ سابِقًا؛ حَتَّى إذَا ما مَلَكَ العَدُوُّ ناصِيَةَ البِلادِ التِي يُرِيدُها وَغُرَّتَها؛ الْتَفَتَ بَعْدَ لايٍ إلَى تِلْكَ التِي تُجاوِرُها والتِي ناصَرَتْهُ مِن قَبْلُ!؛ فَعْنْدَها يَصِيرُ التعاوُنُ مَعَ العَدُوِّ خِيانَةً للإسلامِ وكُفْرًا بِدِينِ المُسْلمِينَ!؛ وَعِنْدَها تُخْفَرُ الذِّمَمُ!؛ وتَنْقَضُ العُهُودُ!؛ ويُصْبِحُ الجِهادُ مِن فُرُوضِ الأعْيانِ التِي لا يَسَعُ تَرْكُهُ مُكَلَّفًا مِن المُسْلمِينَ!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت