الصفحة 102 من 207

وَمِنْها: قَوْلُه تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} .

قالَ الطاهِرُ بنُ عاشُور: هذِهِ الآيةُ كالوَصِيَّةِ بالاسْتِمْرارِ علَى غَزْوِ بِلادِ الكُفْرِ الْمُجَاوِرَةِ لبلادِ الإسلام؛ بحيثُ كلَّما استقَرَّ بلدٌ للإسلامِ وَكانَ تُجاوِرُهُ بلادُ كُفْرِ؛ كانَ حقًا علَى المسلِمِينَ غُزْوُ البلادِ المُجَاوِرَةِ. انتهى.

ولا يَتَحَقّقُ أن يَجِدَ العَدُوُّ الغِلْظَةَ إلا إذا أظْهَرَها المُسلمُونَ؛ وأحسّ العَدُوُّ بِها، قالَ فِي الكشاف: وهوَ يجمَعُ الجرْأَةَ؛ والصبْرَ علَى القتالِ؛ وشدّةَ العَداوةِ؛ والعُنْفَ فِي القَتْلِ والأَسْرِ. انتهى.

قالَ فِي اللباب: وهذا غيرُ مطَّرد، بل يحتاجُ تارةً إلَى الرِّفْقِ واللُّطفِ، وتارةً إلَى العُنْفِ.

وَمِنْها: قَوْلُهُ تَعالَى: {يَاأَيُّهَا النّبِيُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} ؛ فِي آيَتَينِ من القُرْآنِ؛ فِي سورَتِي التوبَةِ والتحريم.

جَمَعَ بَينَ الكُفارِ والمُنافِقِينَ فِي هذهِ الآيَةِ إلْقاءً للرُّعْبِ فِي قلوبِهم، وحَكَى بَعْضُ السلَفِ أنَّ جِهادَ المُنافِقِينَ يَنْتَهِي إلَى الكَشرِ فِي وُجُوهِهِم، والمُنافِقُ إنْ صَرَّحَ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ؛ أو بِما يدُلُّ إلَى إبْطانِ الكُفْرِ؛ أو صَدَرَ مِنْهُ ما يَدُلُّ على استِخْفافٍ بالدِينِ عُومِلَ مُعامَلَةَ الكافِر، قالَ الماوَرْدِيُّ فِي الحاوِي: وَجِهَادُ الْمُنَافِقِينَ بِالْوَعْظِ إِنْ كَتَمُوا، وَبِالسَّيْفِ إِنْ أَعْلَنُوا. انتهى.

وكانَ نُزولُ هَذهِ الآيَةِ قُرْبَ وفاةِ رَسولِ اللهِ صلى اللهُ علَيهِ وسلم، قالَ فِي التحريرِ والتنوير: ولعلَّ مِن حِكمَةِ الإعْلامِ بِهَذا الجهادِ تَهْيِئَةَ المسلمينَ لِجهادِ كلّ قومٍ يَنْقُضُونَ عُرى الإسلامِ وهُمْ يَزْعُمُونَ أنّهُمْ مُسْلِمُونَ، كمَا فَعَلَ الذينَ مَنَعُوا الزّكاةَ وَزَعَمُوا أنّهُمْ لَمْ يَكْفُرُوا؛ وَإنّما الزّكاةُ حقُّ الرسُولِ فِي حَياتِهِ!!، ومَا ذلك إلاّ نفاقٌ مِن قادَتِهِم اتَّبَعَهُ دَهْماؤُهُمْ. انتهى.

وفِي زادِ المسير عن ابنِ عباس: {وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} : يريدُ: شِدّةَ الانْتِهارِ لَهُم، والنظَرَ بِالبَغْضَةِ وَالمقْتِ.

قالَ أبو الوليدِ عَفا اللهُ عَنه: فَأيْنَ هذهِ الآياتُ مِن الصنِيعِ الذي ورَدَ ذكْرُهُ فِي السؤال، بلْ مَن تَولَّى الكافِرَ وناصَرَهُ علَى مُحاصَرَةِ أهْلِ الإسلامِ كانَ أولَى بالقِتالِ من الكافِرِ الأصْلِي؛ كَما قالَ الشيخُ ابنُ تَيمِيةَ رَحِمَهُ فِي المَجْموعِ لَما ذكَر مُنْكَراتَِ بَعْضِ المَلاحِدِة: فَإِنَّ إنْكَارَ هَذَا الْمُنْكَرَ السَّارِيَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْلَى مِنْ إنْكَارِ دِينِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الَّذِي لَا يَضِلُّ بِهِ الْمُسْلِمُونَ. انتهى.

ومِنْها: قَوْلُهُ تعالَى: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} .

إعْلَمْ أنّ أهْلَ الإسلامِ لَمْ يُؤْتَوْا كما أُتُوا مِن قِبَلِ مَن يَتَوَلَّوْنَ أعْداءَهُمْ؛ فَيْفَتَحُونَ لَهُمْ بِلادَ الإسْلامِ علَى مَصارِيعِها يَعْيثُونَ بِها ما شاءُوا ويَصْنَعُونَ ما أرادُوا، كما يَراهُ اليَومَ كُلُّ ذِي عَيْنَينِ!، والعَجَبُ أنْ يَكُونَ فِي المُسْلمِينَ مَن يَتَعَلَّقُ بالمُتَشابِهاتِ فِي تَجْوِيزِ ذلكَ لِدَعاوَى لا قِيمَةَ لَها فِي مِيزانِ الشرْعِ، ولِذا سَدّتِ الشرِيعَةُ كُلَّ ذرِيعَةٍ تُفْضِي إلَى نَحْوِ هذا؛ حِفاظًا علَى بُنْيانِ الإسلامِ وقَواعِدِهِ مِن أنْ يَأتِي علَيْها ما يَضُرُّ بِها، ومِن ذلكَ هَذهِ الآيَةُ الكَريمَةُ؛ فَإنّها أصْلٌ فِي سَدّ ذرائعِ الفَسادِ المُحَقَّقِةِ أو المَظْنُونِة، ومَن طالَعَ التارِيخَ الإسْلامِيَّ القَدِيم والحَدِيثَ؛ ثَبَتَ عَنْدَهُ بَيَقِينٍ أنَّهُ ما جَرَّ شَيْءٌ عَلَى المسلمينَ المَصائِبَ والوَيْلاتِ ما جَرَّهُ التَّهاوُنُ فِي الركُونِ إلَى أعْداءِ الإسلامِ، ولولا خَشَيةُ الإطالَةِ لذكَرْنا مِن ذلكَ ما فِيهِ أعْظَمُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت