من الدّيارِ وانْتِزاعِها مِن أَيْدِي أهْلِها! فَلا سَبِيلَ مَعَ هَذا إلاّ أنْ يَكُونَ المُؤمِنُ عَزِيزًا عَلَيهِ؛ أَنِفًَا مِن صِلَتِهِ والمَيْلِ إلَيْهِ؛ وذلكَ مِن أعْظَمِ أسْبابِ تَلاحُمِ أَهْلِ الإسلامِ وتَماسُكِ بُنْيانِهِم، وهَذهِ من حِكَمِ الأمْرِ بالمُوالاةِ للمُؤمِنينَ والمُعاداةِ للكافِرينَ.
وأنْتَ تَرَى أنَّ أمَمَ الأرْضِ قاطِبَةً تَعُدُّ كُلَّ مُتَعاوِنٍ مَعَ عَدُوِّها خائِنًا يَسْتَحِقُّ أشَدَّ العُقُوباتِ، ويُسَمُّونَ ذلكَ الخِيانَةَ العُظْمى، ويُعَرِّفُونَها بأنَّها فِي الأصْلِ تَعْنِي عَدَمَ الوَلاءِ للأُمَّةِ أو الدّولَةِ؛ وأنّها العَمَلُ ضِدَّ مَصالِحِها، والعُقُوبَةُ التِي يَسْتَحِقُّها الخائِنُ القَتْلُ أو التأبِيدُ فِي السجْنِ، ولَم تَزلِ الدُّولُ تَصْنَعُ ذلكَ قَدِيمًا وحَديثًا، كما فَعَلَتْ بَريطانيا مَثَلًا بالسياسِي الإيرلَنْدِي (روجَرْ كاسمَنْت) ؛ وكانَ قَدْ سافَرَ إلَى ألْمانْيا خِلالَ الحَرْبِ العالَمِيَّةِ الأولَى؛ وحاوَلَ تَشكيلَ لِواءٍ (أيرلَندِي) من أسرَى الحَرْبِ (الأيرلنْدِيينَ) ؛ علَى أن يَكُونَ اللواءُ تابِعًا للجَيشِ الألْمانِي، وأقْنَعَ الألْمانَ بإرْسالِ سَفْينَةٍ مُحَمَّلَةٍ بالأسْلِحَةِ إلَى (أيرلَنْدا) ، وأغْرَقَ البريطانيونَ السفِينَةَ وأسَرُوه؛ بَعْدَ أنْ وَصَلَ إلَى (أيرلندا) بِغَواصَةٍ ألْمانِيّةِ، ثُمَّ حُوكِمَ فِي (لَنْدَن) ؛ وشُنِقَ فِي سِجْنِ (بِنتونفيل) فِي (3/ 8/1916) .
وكَما صَنَعَ البريطانيونَ أيْضًا بِمَنْ يُسَمَّى (اللُورْد هَاوْ هاوْ) فِي نِهايَةِ الحَرْبِ العالَمِيةِ الثانِيةِ، وهُو مَولُودٌ فِي الولاياتِ المتَّحِدَةِ؛ وكانَ يَحْمِلُ جَوازا بَريطانيًا، واعْتِقِلَ عامَ (1945) ؛ وأُدِينَ مِن المَحْكَمَةِ البرِيطانِيةِ بالخيانَةِ العَظْمى؛ لأنَّهُ كانَ يَبُثُّ مِن خِلالِ الإذاعَةِ الألْمانِيّةِ ما يَحُطُّ مِن مَعْنَويّاتِ الشعْبِ البَريطانِي؛ وقُتِلَ شَنْقًا.
وكما وَقَعَ فِي (البِيرُو) مَثَلًا؛ ثالِثَةِ أكْبَرِ دُولِ أمْرِيكا الجَنُوبِيَّةِ من حَيْثُ المَساحَةِ؛ أَي بَعْدَ البَرازِيلِ والأرْجَنْتِينَ، وذلكَ فِي سَنَةِ (1992/م) حيثُ اعْتَقَلَتِ الشرْطَةُ (إيميلْ رِينُوسُو) زَعِيمَ حَرَكَةِ الدرْبِ الساطِعِ مَعَ عَشَرَةٍ من مُناصِرِيهِ؛ وأُدِينُوا بالتُّهَمَةِ المَذكُورَةِ؛ وحُكِمَ عَلَيهِمْ بالسجْنِ مَدَى الحَياة.
وتَقْرَأُ فِي تارِيخِ أورُوبا القَدِيمِ عَمَّنْ حُوكِمَ بِهذِهِ التُّهَمَةِ من أمْثالِ: (توماس مُور) الإنجِلِيزِيِّ؛ الذِي عَيَّنُهُ المَلكُ (هِنرِي الثامِنُ) قاضِيَ القُضاةِ فِي (إنجِلْتِرا) فِي عامِ (1529/م) ، ثُمَّ نادَى بِجُمْلَةٍ مِما كانَ يَراهُ من المَبادِئِ دَفَعَ حَياتَهُ ثَمنًا لَها؛ واعْتَرَضَ علَى قَرارِ (هنرِي الثامِن) بِطَلاقِ المَلكَةِ (كاثْرِينَ) والزواجِ ثانِيَةً، كما رَفَضَ مُنازَعَةَ المَلكِ للبابا فِي سُلطَتِهِ، وقُطِعَ رَأسُهُ بالتُّهَمَةِ المَذكُورَةِ فِي (1535/م) .
كما تَقْرأُ فِي تاريخِ (كَنَدا) عَن قَتْلِ (لويس رِيل) الذي شارَكَ فِي انْتِفاضَةِ المُستَوطِنينَ فِي (وادِي النهْرِ الأحْمَر) ضِدَّ الحُكومَةِ الكَنَدِيَّةِ عامَ (1869 و 1870/م) ؛ واستولَى عَلى مَدِينَةِ (فُورتْ جارِي) ؛ وأقامَ حُكُومَةً مُؤقَّتَةً هُناكَ، ثُمَّ هَرَبَ؛ وظهَرَ بَعْدَ سنينَ؛ وقادَ ثَورَةَ (ساسْكاتِشْوان) ؛ وقُبِضَ علَيهِ؛ وقُتِلَ بِتُهَمَةِ الخِيانَةِ العُظْمَى عامَ (1885/م) .
فَهَذا وأمْثالُهُ بَينَ الأُمَمِ كَثِيرٌ!؛ ولَمْ نُسُقْهُ مَساقَ الدّلِيلِ؛ فَلا دَلِيلَ سِوَى الشّرْعِ، وإنّما قَصَدْنا بِذلكَ تَنْبِيهَ المُتَقَوِّلِ علَى اللهِ تعالَى بِغَيرِ عِلْمٍ؛ مِمّنْ يُزَيِّنُ بِزُخْرِفِ القَوْلِ مُظاهَرَةَ عُدُوِّ الدِينِ علَى الإسْلامِ وأهْلِهِ، وكَأنَّ خِيانَةَ الإسْلامِ وأهْلِهِ بِمُنَاصَرَةِ عَدُوِّ الإسْلامِ وإعَانَتِهِ علَى حَرْبِ أهْلِهِ أَهْوَنُ عِنْدَهُمْ مِن خِيانَةِ أولَئكَ الأَقْوامِ لأُمَمِهِم!، والقَوْمُ تَسْتَهْوِيهِمُ المُقارَنَةُ بَينَ أحْكامِ الشرِيعَةِ والقَوانِينِ الوَضِيعَةِ بِزَعْمِهِم!، وفِيهِم مَن لا يَجْرُؤُ علَى التصْرِيحِ بِحُكْمٍ جاءَ بِهِ الشرْعُ حَتّى يَبْحَثَ لَهُ عَن مُماثِلٍ فِي قَوانِينِ الأُمَمِ الأُخْرَى!؛ لأنَّهُ يَخْشَى أنْ يُرْمَى بِما اعْتادَ الغَرْبِيُّونَ ومُحِبُوهُمْ أنْ يَرْمُوا بِهِ أنْصارَ الإسلامِ مِن الوحْشِيَّةِ والتطَرُّفِ!؛ وأمْثالِها مِن التُّهَم، وإلاّ فَحَسْبُنا كُتابُ اللهِ تعالَى وسُنَّةُ نَبِيهِ صلواتُ اللهِ وسلامُهُ علَيهِ، وإذا جاءَ نَهْرُ اللهِ بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ؛ كما يُقال.