فَسَبْحانَ مَن أنْطَقَهُمْ بِما نَطَقَ بِهِ فِرعَونُ فِي حَقّ مُوسَى علَيهِ السلامُ: {إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} ؛ وبِما نَطَقَ بِهِ أهْلُ النارِ عن المُؤمِنينَ: {وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ} ؛ أي: يَعُدّونَهُم كذلكَ فِي الدنيا!، وذلكَ بِحَمْدِ اللهِ من عاجِلِ الفَضِيحَةِ لأمْثالِهِمْ فِي الدُّنْيا قَبْلَ الآخِرَةِ؛ فَإنَّ هَؤلاءِ قَدْ أبَوْا إلاّ إهانَةَ ما عَظَّمَهُ اللهُ تعالَى؛ وتَعْظِيمَ ما أهانَهُ؛ ومَن كانَ هذا حالُهُ، كانَ أولَ ما يُورِدُهُ المَهالِكَ لِسانُهُ!، ولكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَعْلَمونَ.
والآيَةُ بِحَمْدِ قاصِمَةٌ لِظُهُورِ أباطِيلِهِم؛ قاطِعَةٌ لأعْناقِ أقاويلِهمْ؛ مُنادِيَةٌ علَى رُؤوسِ الأشْهادِ بِكَذِبِ ما ادَّعَوْهُ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى بَيّنَ فِيها أنَّ منْ خَرجَ جِهادًا فِي سبيلِهِ فَلَيسَ من شانِهِ أنْ يُوالِيَ أعْداءَ الدّينِ؛ فإنْ فَعَلَ كانَ كاذِبًا فِي دَعْواهُ؛ ولَمْ يكُن خُروجُهُ جِهادًا وإنْ زَعَمَهُ كَذلك.
ثُمَّ إنَّهُ قالَ فِي الآيَةِ: {لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ} ؛ فَإنَّ العَداوَةَ مُنافِيَةٌ للمَحَبَّةِ؛ فالنّهْيُ لِمَنْ اعْتَقَدَ عَداوَتَهُمْ؛ لكِنَّهُ معَ ذلكَ اتَّخَذَ مِنْهُم أولِياءَ لمَصْلَحَةٍ يَرْجُوها!؛ فَإذا كانَ مَن حالُهُ هذا لا يُسَمّى مُجاهِدًا؛ ويَتَناوَلُهُ التغْلِيظُ الذِي دَلّتْ علَيهِ الآيَةُ، فَكَيفَ يُقالُ إِذَنْ فِيمَنْ شَهِدَتْ قَرائِنُ الأحْوالِ علَى عَظِيمِ مَحَبّتِهِ لَهُمْ؛ وتَشَبُّهِهِ بِهِمْ فِي جَمِيعِ أحْوالِهِمْ؛ حَتّى فِي تَحْكِيمِ شَرائِعِهِمْ!؛ وفِي اتّباعِ سَياساتِهِمْ؛ ويَسْعَى مَعَ ذلكَ جُهْدَهُ فِي تَحْقِيقِ مَآرِبِهِمْ؛ وتَقْرِيبِ مَقاصِدِهِمْ، ثُمَّ هُو مِن أشَدِّ الناسِ عَداوَةً لمَنْ أنَكَرَ علَيْهِ شَيئًا مِن ذلكَ؟!، ومَعَ هَذا كُلِّهِ يَزَعُمُ المَذكُورُونَ ما يَزْعُمُون؛ {وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} .
وَمِنْها: قَولُه تعالَى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} .
المرادُ بالشدّةِ صَلابَةُ المُعامَلَةِ وقَسْوَتُها؛ قالَ البقاعِيُّ والألوسِيُّ: فَهُمْ لا تَاخُذُهُمْ بِهِمْ رَافَةٌ، بَلْ هُمْ مَعَهُمْ كالأَسَدِ عَلَى فَرِيسَتِهِ. انتهى. وتِلْكَ الشدَّةُ فِي قِتالِهِم؛ وفِي إظهَارِ العَداوَةِ لَهُم، وذلكَ ما تُوجِبُهُ المُضادَّةُ بَينَ الفَرِيقَينِ، وما كانَ من كَراهَتِهِم الصُّلْحَ فِي الحُدَيبِيَةِ فإنّما كانَ من آثارِ شِدَّتِهِم علَيْهم، وكانَ أشَدُّهُم علَى الكُفارِ أشدَّهُم كراهَةً لِذلكَ وهُو عُمرُ رَضِيَ اللهُ عَنْه، ولَم تَكُنْ قَدْ بَدَت لَهُم المَصْلَحَةُ فِي الصلْحِ المَذكُورِ بَعْدُ.
ثم هذه الشدّةُ على الكفارِ؛ منها ما هُو واجبٌ؛ أو مَنْدوبٌ؛ أو مُباحٌ؛ وذلك مُخْتَلِفٌ باخْتلافِ المَقاماتِ والأحوالِ، كما أنَّ أحْكامَ مُعامَلاتِهِم وما يَجُوزُ منها وما لا يَجُوزُ جارٍ علَى قَواعِدَ مَعْرُوفِةٍ عندَ العلماء.
قال الزمخشرَي: ومِنْ حقِّ المسلِمِينَ فِي كُلِّ زَمَانٍ أَنْ يُرَاعُوا هَذَا التشدُّدَ ... ؛ فَيَتشدّدُوا عَلَى مَنْ لَيْسَ عَلَى مِلَّتِهِم وَدِينِهِمْ وَيَتَحَامَوْهُ. انتهى.
قالَ مُقَيدُهُ عَفا اللهُ عنه: المَقْصُودُ مِن هَذهِ الشدّةِ إيلامُهُم بِها؛ حَمْلًا لَهُم علَى الدُّخُولِ فِي الإسْلامِ؛ ورَدْعًا لَهُم عَن العُدْوانِ علَى أهْلِهِ؛ ولأنَّهُم إن رَأوا ما يُقابِلُ ذلكَ من الرحْمَةِ بالمُؤمِنينَ والتّعاطُفِ بَيْنِهَم كانَ سَبَبًا لإيمانِ من شاءَ اللهُ تعالَى لَهُ الهِدايَةَ مِنْهُم، ثَمَّ إنّ هذا الوَصْفَ هُو السبيلُ لإذْلالِ العَدُوِّ وقَهْرِهِ وانْكِسارِ شَوكَتِهِ، والفِعْلُ الوارِدُ فِي السؤالِ علَى الضدِّ من ذلكَ؛ فَهُوَ إعْزازٌ لَهُ؛ وإظْهارٌ لأمْرِهِ؛ وتَقْوِيةٌ لِشأنِهِ وشَوْكَتِهِ، ولذا كانَ فِعْلًا مُنافِيًا للإيمان.
وَمنها: قوله تعالى: {فَسَوْفَ يَاتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ} .
فِي الجَمْعِ بَينَ الوَصْفَينِ {أَذِلَّةٍ} وَ {أَعِزَّةٍ} دَلِيلٌ علَى الحِكْمَةِ وحَصافَةِ الرايِ فِيما يَصْدُرُ عَنْهم مِن أَقْوالٍ وأفْعالٍ، فَإنّ أخْلاقَهُم لا تَنْبَعِثُ عَن سَجِيّةٍ واحِدَةٍ، فَلا هُم بالليِّنِينَ فِي كُلِّ حالٍ؛ ولا هُمْ بالأشِدّاءِ فِي كُلِّ حالٍ، بَلْ يَأتُونَ فِي كُلِّ مَقامٍ بِما يُناسِبُهُ، فَمَنْ كانَ عَدُوًّا لدِينِ الإسلامِ؛ مُحارِبًا لأهْلِهِ؛ ساعِيًا فِي التسلُّطِ عَلَيهِم بأنْواع الأذَى مِن القَتْلِ والإخْراجِ