وقد قام هذا المفكر من خلال أطروحته السابقة باعتبار الإسلام دينًا دمويًا، وانتقى من الدلائل الظالمة ما قوى أطروحته، وجعلها تسير في الغرب على أنها لا تقبل النقاش.
إننا أمام انتقائية واضحة تنطلق من وقائع وأدلة جزئية متفرقة يتم تعميمها بشكل تعسفي بهدف الخروج بحقيقة شاملة عامة، مفادها أننا على ضوء هذه الوقائع سندخل عصر الصدامات الحضارية، ولذلك يشخص رؤية لطبيعة العلاقات بين الغرب والعالم في مرحلة ما بعد الحرب الباردة [1] .
وعندما وضع هنتنجتون تقاربًا بين الغرب والإسلام وضعه في ثنائية غير متكافئة على المستوى النظري، فالإسلام قبل كل شيء عقيدة ودين، أما الغرب فهو إطار شامل يجمع بين الدين والثقافة والجغرافيا والأيديولوجيا والاقتصاد.
ولعل أكبر خلل نظري تعاني منه أفكار هنتنجتون ونظرياته يتعلق بمعايير تصنيفه للحضارات وطبيعة هذا التصنيف حيث يتسم تصنيفه بالخلط الشديد بين مفاهيم متميزة كالحضارة والدين والانتماء الجغرافي أو الإثني، وهو لا يلتزم مقياسًا واحدًا في التصنيف، فبالنسبة إلى الحضارة الغربية يصنفها نسبة إلى الموقع الجغرافي، والحضارة الكونفوشيوسية والحضارة الإسلامية نسبة إلى الدين، والحضارة الهندية واليابانية نسبة إلى معيار إقليمي قطري، والحضارة السلافية الأرثوذكسية نسبة إلى الدين والعرق معًا، أما الحضارة الإفريقية والأمريكية اللاتينية فنسبة إلى معيار جغرافي قاري، لهذا يقول إنغمار كارلسون (Ingmar Karlsoon) : (( إن لائحة هنتنجتون جد غريبة، فيضع الحضارة محدودة حسب معايير دينية وثقافية، في حين أنه في حالات أخرى يكون الجغرافي هو العامل المفتاح ) ) [2] .
صحيح أن فكرة التقارب التي يراها بعض المحليين لنظريته ليست ما نؤمن بها، ولكن مع ذلك فإن نظرة هنتنجتون إلى الإسلام بهذا الرفض هو ما لا يمكن قبوله إطلاقًا، فهو اتهام للإسلام بالدموية ورفض الآخر والقيام على الصراع.
لكن القول بالتقارب لرفض الصدام أيضًا مرفوض (( فالصراع بين الإسلام والكفر قائم، فالإسلام بتوحيده وعبوديته لله والإيمان بأركان الإيمان الستة وما ينبثق عن ذلك من شريعة ونظام حياة، لا بد أن يصطدم بالغرب الصليبي الكافر العابد لغير الله، والخاضع لشريعة الطاغوت.
(1) (صدام الحضارات أم نقار ديكة عمياء؟ ) ، خلدون الشمعة ص 10، مجلة الشرق الأوسط 21/ 1/ 1995م، ص 1. وينظر: بحث (( الأطروحات الغربية ) )، د. إبراهيم الناصر، مرجع سابق.
وينظر ترجمة كاملة لهذا النقد في بحث (( الإسلام والآخر ) )، حمدي شفيق، مرجع سابق.