أثارته من خلافات عميقة بين الساسة والمفكرين التي دارت حول قيم العولمة وصواب توجيهاتها وآثارها السلبية على أوضاع البشر وخصوصًا في دول الجنوب، حتى التي فتحت الطريق لضرورة قيام حوار بين الحضارات، وإذا كانت البحوث التي قدمت في مؤتمر (أوروبا - العالم) الذي عقد في لشبونة عام 1990م يطرح أسئلة مهمة حول شروط حوار الحضارات وطريقة تنفيذه، كما أكدت على أن الحوار استخلف تغيرات كبرى في عصر العولمة، فإن من الأهمية بمكان حين دراسة موضوع حوار الحضارات لتحقيق التعاون والتعاقد العلمي، لا بد أن نحدد السياق التاريخي له، فإذا كان الحوار قد وجد دفعة قوية بعد انتهاء الصراع الأيديولوجي الحاد بين الرأسمالية والشيوعية، الذي استمر طوال القرن العشرين تقريبًا، بالإضافة إلى بروز ظاهرة العولمة بكل آثارها الإيجابية والسلبية، مع ظاهرة العلاقات المتعددة الأطراف، فقد أصبح لزامًا محاولة فهم العالم المتغير الذي يقوم على أسس مفاهيم ثلاثة رئيسة هي: العولمة، والعلاقات الدولية، والقومية.
إن المسألة الجديرة بالنظر هي: كيف نقدم أنفسنا في الحوار، وما الذي نستطيع أن نضيفه إلى الفكر العالمي والرؤية النقدية المتماسكة التي ينبغي أن نصدر عنها في نقاش الأفكار المطروحة من قبل الآخرين، وإذا كان الحوار لا يثمر إلا إذا توافرت الندية بين الأفراد المتحاورة، فإن هذه الندية تنتزع، ولا تمنح بمعنى أنها تعتمد على قدرة ممثلي الحضارات المختلفة خصوصًا الحضارات التي تحاول أن تتجدد في الوقت الراهن على عرض وجهات نظرهم، بما يثبت متابعتهم لأدق تفاصيل الخريطة المعرفية العالمية ليس ذلك فقط، بل يشير إلى فهمهم العميق لطبيعة التغيرات التي لحقت بالمجتمع العالمي والمنطق المتطور في العلاقات الدولية والاقتصادية والسياسية والثقافية بين الأمم، وهناك شواهد على إنجازات مشهورة لممثلي العالم الإسلامي في مفاوضات دولية بالغة التعقيد، وفي مجالات متعددة، إنجازات تشهد بالقدرة على الحوار وعلى إقناع الأطراف الأخرى [1] .
وتتضح صورة حوار التعاون والتعاقد العلمي بين العالم الإسلامي والعالم الغربي في مجموعة كبيرة من الوسائل المحدثة التي كان لبعضها أثر كبير في حياة المسلمين، بل في وصول صوت الحق إلى غير المسلمين، ومن تلكم الأمور:
-كراسي البحث العلمي في الجامعات العربية التي تستضيف من أساتذة البحث من الغرب من يكون لزيارتهم أثر في نقل الصورة الحقيقية عن الإسلام وأهله ... وكذلك كراسي البحث العربية في جامعات الغرب؛ بل إن الأثر الذي خلفه الأساتذة العرب أثناء تدريسهم في الجامعات الغربية لا يمكن إغفاله ... وقد حكى بعضهم هذا الأثر من خلال المساهمة الفاعلة في تغيير
(1) خبرات الحوار العربي الإيراني والمصري الإيراني، محمد السعيد عبد المؤمن، ضمن (( برنامج حوار الحضارات ) )كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، القاهرة (2004م) .