أحدوهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نهوا عن ذلك خشية أن يختلط بعض ذلك بالقران العظيم.
وثانيهما: لسعة حفظهم وسيلان أذهانهم ولأن أكثرهم لا يعرفون الكتابة. ثم حدث في أواخر عصر التابعين تدوين الآثار وتبويب الأخبار لما أنتشر العلماء في الأمصار , وكثر الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الاقدار"اهـ"
قلت: ثم أن في الحديث دليل علي أن من الصحابة من كان يكتب فكان النهي عن ذلك , وما يدل علي ترخيص النبي لهم بعد ذلك ما ذكره الترمذي وغيره بإسناد صحيح أن أبو هريرة قال:"ما من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكثر حديثا مني إلا عبد الله بن عمرو بن العاص فإنه يكتب وكنت لا أكتب""الترمذي في العلم عن رسول الله/2668", كما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - كما هو ثابت في صحيح مسلم"أن يكتبوا لأبي شاه",ومن ثم فأن كتابة أحاديث النبي أمر لا يجادل فيه إلا مكابر وأن النهي كان لما سبق بيانه أنفا, وأما دليل النسخ ففي صحيح سنن أبوداود ?كتاب العلم -عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظة فنهتني قريش وقالوا أتكتب كل شيء تسمعه ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا فأمسكت عن الكتاب فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأومأ بإصبعه إلى فيه فقال أكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق (أنظر صحيح سنن أبو داود /3646)
ثم من قال أن الكتابة فقط هي التي تجيز حجية السنة؟!
فهذا ليس صحيحا علي الإطلاق , وليس أدل علي ذلك من القران نفسه فهو منقول إلينا بالتواتر اللفظي ولولا هذا التواتر لما حصل القطع بشيء .. قال ابن الجزري: أن الاعتماد في نقل القران علي حفظ القلوب والصدور لا علي حفظ المصاحف والكتب وهذه خصيصة من الله تعالي لهذه الأمة .. إلي أن قال: ولما خص الله تعالي بحفظه من شاء من أهله أقام له أئمة ثقات تجردوا لتصحيحه ويذلوا أنفسهم في إتقانه وتلقوه من النبي - صلى الله عليه وسلم - حرفا حرفا لم يهملوا منه حركة ولا سكونا ً ولا إثباتا ولا حذفًا ولا دخل عليهم شيء منه شك ولا وهم وكان منهم من حفظه كله ومنهم من حفظ أكثره ومنهم من حفظ بعضه كل ذلك في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - اهـ
وما يقال عن التواتر اللفظي للقران يقال كذلك عن صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وحفظ الصحابة لعدد ركعتها وكيفيتها فقد نقلت ألينا بالتواتر اللفظي عن طريق الثقات., ولم يثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بكتابة كيفيتها لمن يأتي بعده ولم يروه كيف يصلي, وهو القائل للصحابة"صلوا كما رأيتموني أصلي"وبدهي أن كيفية صلاته - صلى الله عليه وسلم - تلزم الأمة كلها لأنها الركن الثاني في الإسلام .. ومن ثم فالكتابة بمفردها ليس من لوازم الحجة وإلا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - مقصر في بيان أمر الله لأمته وهذا باطل كما لا يخفي ويخالف قوله تعالي (اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ