الصفحة 50 من 277

ليس درجة واحدة، والإيمان ليس درجة واحدة، والكفر ليس درجة واحدة؛ هناك كفرٌ مركب: أي مُغلَّظ، وهناك كفرٌ غير مغلظ، وهناك كفرٌ أكبر، وهناك كفرٌ أصغر.

ويجوز في اللغة استخدام -وهذا من بيان العلم الذي يجب أن نتعلمه؛ لأن الناس يتناقشون فيها في حياتهم- يجوز أن يُستخدم اللفظ التام، للدلالة على المعنى الجزئي، كيف؟ نزل قوله -سبحانه وتعالى-: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا} فهذه نزلت في الكفار؛ هل يجوز لك أن تحتج فيها على مسلمٍ أسرف على نفسه، ولم يؤدِّ حق الله -عزَّ وجلَّ- في المال، في الطعام؟ لماذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد أكل: (وقد خَشِينا أن تكونَ حسناتُنا عُجِّلَت لنا) [1] .

هل يجوز إنزال آيات الكفار على المسلمين؟ الجواب: نعم، يجوز إنزال آيات الكفار على المسلمين، بشرط ألا تُلحق الحكم النهائي الذي أنزله الله على الكافرين على المسلمين؛ وإنما تُنزل على المسلم بمقدار ما حصل من هذا المعنى الذي رُكِّب فيه اللفظ. ولذلك هناك كفر أكبر يخرج من الملة، وهناك كفر أصغر، ما هو الكفر الأصغر؟ يعني هو الخطوة التي تؤدي إلى الكفر؛ ولذلك قال العلماء:"المعاصي بريد الكفر"؛ لأنها خطوة تؤدي إلى الكفر.

فيجوز أن تحتج على آيةٍ نهائية، على أمرٍ جزئي؛ بشرط ألا تُلحق الحكم النهائي، على هذا الفعل الجزئي، بل يجب عليك أن تُعمله بمقدار جزئه، فتُعمل اللفظ بمقدار حقيقته، وتُلحق به بعد ذلك حكمه الجزئي، وهذا هو الفارق بين السني والبدعي.

ماذا قال العلماء عن الخوارج؟ قالوا: ذهبوا إلى آياتٍ في كتاب الله، نزلت في الكفار فأعملوها في المسلمين؛ بمعنى أنهم أتوا إلى الحكم الجزئي الذي يصيب المسلم من معاصٍ أو ما شابه ذلك، فيلحق بها الحكم الكلي؛ كالظلم: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} ؛ فالظلم الأعظمٌ هو الكفر، والمسلم قد يَظلِم، هذا الظلم هو ظلمٌ جزئي؛ كما نقول: كفرٌ أصغر، وهذا ظلم أصغر، فقال ابن عباس:"هو كفرٌ دون كفر، ظلمٌ دون ظلم، فسقٌ دون فسق".

ولذلك يجوز في اللغة، أن تستخدم اللفظ على بعض معانيه، ومن هنا قلنا: فإن"خَلَقَ"في معناها الكُليّ هو الذي يوجِد الشيء على غير أصل مادته، هو الذي يُوجد الشيء دون أن تكون مادته موجودة، بل

(1) صحيح البخاري: (4045) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت