""""""صفحة رقم 21""""""
3 ( مطلب الصُّحْبَةِ ثَلاثُ مَرَاتِبَ ) 3
وَقَسَّمَ الإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ الصُّحْبَةَ إلَى ثَلاثِ مَرَاتِبَ: الأُولَى: مَنْ كَثُرَتْ مُخَالَطَتُهُ وَمُعَاشَرَتُهُ لِلنَّبِيِّ ( صلى الله عليه وسلم ) بِحَيْثُ لا يُعْرَفُ صَاحِبُهَا إلا بِهَا ، فَيُقَالُ هَذَا صَاحِبُ فُلانٍ وَخَادِمُ فُلانٍ لِمَنْ تَكَرَّرَتْ خِدْمَتُهُ لا لِمَنْ خَدَمَهُ مَرَّةً أَوْ سَاعَةً أَوْ يَوْمًا .
الثَّانِيَةُ: مَنْ اجْتَمَعَ بِهِ ( صلى الله عليه وسلم ) مُؤْمِنًا وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً ، لأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ صَحِبَهُ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَنْتَهِ إلَى الاشْتِهَارِ بِهِ حَتَّى يَصِيرَ يُعْرَفُ .
الثَّانِيَةُ: مَنْ رَآهُ ( صلى الله عليه وسلم ) رُؤْيَةً وَلَمْ يُجَالِسْهُ وَلَمْ يُمَاشِهِ فَهَذَا أَلْحَقُوهُ بِالصُّحْبَةِ إلْحَاقًا وَإِنْ كَانَتْ حَقِيقَةُ الصُّحْبَةِ لَمْ تُوجَدْ فِي حَقِّهِ ، وَلَكِنْ صُحْبَةٌ إلْحَاقِيَّةٌ حُكْمِيَّةٌ لِشَرَفِ قَدْرِ النَّبِيِّ ( صلى الله عليه وسلم ) لاسْتِوَاءِ الْكُلِّ فِي انْطِبَاعِ طَلْعَةِ الْمُصْطَفَى ( صلى الله عليه وسلم ) فِيهِمْ بِرُؤْيَتِهِ إيَّاهُمْ أَوْ رُؤْيَتِهِمْ إيَّاهُ مُؤْمِنِينَ بِمَا جَاءَ بِهِ ، وَإِنْ تَفَاوَتَتْ رُتَبُهُمْ رضوان الله عليهم ( مِنْ كُلِّ ) صَحَابِيٍّ ( هَادٍ ) لِغَيْرِهِ أَيْ مُرْشِدٍ وَدَالٍ ، وَمِنْ كُلِّ ( مُهْتَدِي ) فِي نَفْسِهِ .
يُقَالُ هَدَاهُ هُدًى وَهَدْيًا وَهِدَايَةً وَهِدْيَةً بِكَسْرِهِمَا أَرْشَدَهُ فَهَدَى وَاهْتَدَى .
وَهَدَاهُ اللَّهُ الطَّرِيقَ دَلَّهُ .
وَالْهُدَى بِضَمِّ الْهَاءِ وَفَتْحِ الدَّالِ الرَّشَادُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ .
3 ( مطلب الْهِدَايَةُ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ ) 3
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ بَدَائِعُ الْفَوَائِدِ: الْهِدَايَةُ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا: الْهِدَايَةُ الْعَامَّةُ الْمُشْتَرَكَةُ بَيْنَ الْخَلْقِ الْمَذْكُورَةُ فِي قوله تعالى
)الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى( أَيْ أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ صُورَتَهُ الَّتِي لا يَشْتَبِهُ فِيهَا بِغَيْرِهِ ، وَأَعْطَى كُلَّ عُضْوٍ شَكْلَهُ وَهَيْئَتَهُ ، وَأَعْطَى كُلَّ مَوْجُودٌ خَلْقَهُ الْمُخْتَصَّ بِهِ ثُمَّ هُدَاهُ لِمَا خَلَقَهُ مِنْ الأَعْمَالِ .
قَالَ وَهَذِهِ الْهِدَايَةُ تَعُمُّ الْحَيَوَانَ الْمُتَحَرِّكَ بِإِرَادَتِهِ إلَى جَلْبِ مَا يَنْفَعُهُ وَدَفْعِ مَا يَضُرُّهُ .
قَالَ وَلِلْجَمَادِ أَيْضًا هِدَايَةٌ تَلِيقُ بِهِ ، كَمَا أَنَّ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنْ الْحَيَوَانِ هِدَايَةً تَلِيقُ بِهِ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَنْوَاعُهَا وَصُوَرُهَا ، وَكَذَلِكَ لِكُلِّ عُضْوٍ هِدَايَةٌ تَلِيقُ بِهِ ، فَهُدَى الرِّجْلَيْنِ لِلْمَشْيِ ، وَاللِّسَانِ لِلْكَلامِ ، وَالْعَيْنِ لِكَشْفِ الْمَرْئِيَّاتِ ، وَهَلُمَّ جَرًّا .
وَكَذَلِكَ هَدَى الزَّوْجَيْنِ مِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ إلَى الازْدِوَاجِ وَالتَّنَاسُلِ وَتَرْبِيَةِ الْوَلَدِ ، وَالْوَلَدِ إلَى الْتِقَامِ الثَّدْيِ عِنْدَ وَضْعِهِ ، وَمَرَاتِبُ هِدَايَتِهِ سُبْحَانَهُ لا يُحْصِيهَا إلا هُوَ .
الثَّانِي: هِدَايَةُ الْبَيَانِ وَالدَّلالَةِ وَالتَّعْرِيفِ لِنَجْدَيْ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ ، وَطَرِيقَيْ النَّجَاةِ وَالْهَلاكِ .
وَهَذِهِ الْهِدَايَةُ لا تَسْتَلْزِمُ الْهُدَى التَّامَّ فَإِنَّهَا سَبَبٌ وَشَرْطٌ لا مُوجِبٌ ، وَلِهَذَا يَنْتَفِي الْهُدَى مَعَهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى )وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى (( فصلت: 17 ) أَيْ بَيَّنَّا