وإن لم تكن النفقة مفروضة بالتراضي ولا بحكم القاضي لا تكون دينًا على الزوج؛ لأن النفقة مشروعة للكفاية، فلا تصير لها بدون القضاء كنفقة الأقارب؛ ولأنها تجب يومًا فيومًا فتسقط بتأخيرها إذا لم يفرضها الحاكم كنفقة الأقارب؛ ولأن نفقة الماضي قد استغني عنها بمضي وقتها كنفقة الأقارب، ولأن النفقة صلة والصلات لا تتأكد بنفس العقد ما لم ينضم إليها ما يؤكدها كالهبة والصدقة من حيث إنها لا تتم إلا بالقبض (2) ·
وقال الجمهور: إن نفقة الزوجة لا تسقط بمضي الزمان ولا تسقط إلا بالأداء أو الإبراء، سواء كان الزوج موسرًا في أثناء مدة الامتناع عن الإنفاق أم كان معسرًا، وسواء كانت النفقة مفروضة بحكم القاضي أم بالاتفاق، أو كانت غير مفروضة بشيء مما ذكر ·
حادي عشر: إعسار الزوج بالنفقة:
اختلف الفقهاء في إسقاط النفقة بالإعسار · قال الحنفية: ومن أعسر بالنفقة لم يفرق بينهما، وتؤمر الزوجة بالاستدانة؛ لتحيل عليه؛ لأنه في التفريق إبطال حقه، وفي الاستدانة تأخير حقها مع بقاء حقه، والإبطال أضر، فكان دفعه أولى، فإذا فرض لها القاضي، وأمرها بالاستدانة، صارت دينًا عليه، فتتمكن من إحالة الغريم عليه، والرجوع في تركته لو مات، ولو استدانت بغير أمر القاضي تكون المطالبة عليها، ولا يمكنها الإحالة عليه، ولا ترجع في تركته؛ لأنها لا ولاية لها عليه (1) ·
والنفقة المفروضة على الزوج لا تسقط بإعساره بل تكون دينًا يطالب به إذا أيسر، وذلك لقوله تعالى: وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة (2) · فإن الله تعالى أمر بتأجيل مطالبة المعسر إلى الميسرة، وفي هذا دليل على عدم سقوط الواجب إذا لم يقدر المكلف على أدائه لإعساره، بل يصير دينًا يطالب به عند الميسرة ·
فعند الحنفية كما سبق، إذا طلبت زوجة المعسر من القاضي أن يفرق بينها وبين زوجها لإعساره وعجزه عن النفقة، فلا يجيبها القاضي إلى طلبها، ولا تسقط النفقة عن الزوج بإعساره (3) ·
أما عند الشافعية والحنابلة: فللزوجة أن تفسخ الزواج إذا أعسر الزوج بنفقة المعسر كلها أو بعضها، ولا تفسخ إذا أعسر بما زاد عن نفقة المعسر؛ لأن الزيادة تسقط بإعساره، ولا تسقط النفقة عن الزوج بإعساره، بل تكون دينًا عليه يطالب بها إذا أيسر ·