فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 64

بالاستدانة واستدانتها بالفعل ·

وأساس الاختلاف بين الحنفية والأئمة الثلاثة، هو الاختلاف في الوضع الفقهي لوجوب النفقة، فالأئمة الثلاثة يرون أنها عوض الاحتباس، ولا وجه للتبرع فيها، ولأنه إذا وجد التمكين الموجب للنفقة ولم ينفق حتى مضت مدة، صارت النفقة دينًا، ولا تسقط بمضي الزمان؛ ولأنه مال يجب على سبيل البدل في عقد معاوضة، فلا يسقط بمضي الزمان كالثمن والأجرة والمهر، ويصح ضمان ما استقر منها بمضي الزمان كما يصح ضمان سائر الديون (1) ·

ويرى الحنفية: أن النفقة جزاء الاحتباس مع أن فيها ناحية صلة، فهي جزاء فيه نوع من الصلة، أو هي صلة وجزاء معًا، فمن حيث إنها احتباس لاستيفاء حقه من الاستمتاع، وإصلاح أمر المعيشة، والاستئناس هي عوض، ومن حيث إنه إقامة لأمر الشارع، وأمور مشتركة، كإعفاف كل الآخر، وتحصينه من المفاسد، وحفظ النسب، وتحصيل الولد ليقيم التكاليف الشرعية، هي صلة؛ لأن منافع الاحتباس تعود على الزوجين جميعًا، لا على الزوج وحده، وعلى اعتبار أنها عوض تثبت إذا قضى بها القاضي، أو اصطلحا عليها، وعلى اعتبار أنها صلة تسقط بمضي المدة من غير قضاء (2) ·

وقال الزيدية: ولا يسقط عنه ما استحقته من النفقة ونحوها في الزمان الماضي بالمطل لها، وسواء كان الحاكم قد فرض لها أم لا، ولا يسقط عنه نفقة المستقبل بالإبراء؛ لأنه إبراء من الحق قبل ثبوته، بخلاف الماضي منها فإنه يسقط بالإبراء؛ لأنها قد استحقته (3) ·

ومما سبق يتبين أن الإبراء من النفقة قد يكون إبراء من النفقة الماضية، وقد يكون إبراء من النفقة المستقبلة، فإذا كان الإبراء من النفقة الماضية، فإن كانت مفروضة بقضاء القاضي أو تراضي الزوجين صح إبراء الزوجة زوجها من هذه النفقة باتفاق الفقهاء؛ لأنها دين ثابت في ذمة الزوج، والإبراء يكون مما هو ثابت في الذمة · وأما إن كانت غير مفروضة بقضاء أو تراضٍ، فلا يصح الإبراء منها عند الحنفية؛ لأنها لم تثبت دينًا في ذمة الزوج، والإبراء لا يكون إلا مما هو ثابت في الذمة ·

وعند الأئمة الثلاثة يصح الإبراء منها؛ لأنها تصير دينًا في ذمة الزوج من وقت امتناعه عن الإنفاق، مع وجوبه عليه، سواء كانت مقررة بالقضاء، أو التراضي، أم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت