فرض القاضي أو التراضي، وأما المسقط لها بعد صيرورتها دينًا في الذمة فأمور منها الإبراء عن النفقة الماضية؛ لأنها لما صارت دينًا في ذمته، كان الإبراء إسقاطًا لدين واجب فيصح كما في سائر الديون، ولو أبرأته عما يستقبل من النفقة المفروضة لم يصح الإبراء؛ لأنها تجب شيئًا فشيئًا على حسب حدوث الزمان، فكان الإبراء منها إسقاط الواجب قبل الوجوب، وقبل وجود سبب الوجوب أيضًا وهو حق الحبس؛ لأنه لا يتجدد بتجدد الزمان فلم يصح (2) ·
وقال الكاساني كذلك: وتسقط بعد صيرورتها دينًا في الذمة بموت أحد الزوجين، حتى لو مات الرجل قبل إعطاء النفقة لم يكن للمرأة أن تأخذها من ماله، ولو ماتت المرأة لم يكن لورثتها أن يأخذوها من ماله؛ لأنها تجري مجرى الصلة، والصلة تبطل بالموت قبل القبض كالهبة، فإن كان الزوج أسلفها نفقتها وكسوتها، ثم مات قبل مضي ذلك الوقت لم ترجع ورثته عليها بشيء في قول أبي حنيفة وأبي يوسف سواء كان قائمًا أو مستهلكًا، وكذلك لو ماتت هي لم يرجع الزوج في تركتها عندهما· وقال محمد: لها حصة ما مضى من النفقة والكسوة، ويجب رد الباقي إن كان قائمًا، وإن كان هالكًا لا شيء بالإجماع (1) ·
ومعلوم أن النفقة واجبة بلا خلاف بين الفقهاء، وإنما الخلاف بينهم في وقت اعتبارها دينًا في الذمة، وفي قوة ذلك الدين، فالأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد قالوا: إن النفقة تصير دينًا بمجرد وجوبها، وامتناع الزوج عن أدائها، وإذا صارت تكون دينًا قويًا لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء كسائر الديون، ولا يسقط بمضي المدة بدون إنفاق، ولا يسقط المتجمد منها في الماضي بنشوز الزوجة، ولا بالطلاق، ولا بالموت (2) ·
وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تصير دينًا بمجرد الامتناع بعد الوجوب، وإنما تصير دينًا إذا حكم بها القاضي، أو تراضى على تقديرها الزوجان، ولذلك ليس للمرأة في المذهب الحنفي أن تطالب بنفقة عن مدة سابقة على رفع الدعوى إلا عن الشهر الذي حصلت فيه الدعوى · وإذا تم القضاء بها، أو التراضي عليها، لا يصبح المتجمد فيها دينًا قويًا بحيث لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء، وإنما يكون دينًا ضعيفًا، يسقط بما يسقط به الدين القوي بالأداء أو الإبراء، ويسقط أيضًا بنشوز الزوجة، والطلاق، والموت على خلاف في بعض ذلك، ولا تصير دينًا قويًا إلا إذا أذن الزوج لها أو القاضي