وكل منهج غير هذا المنهج في كتابة العقيدة فإنه سيبقي الفرقة قائمة، والشحناء مستحكمة.
10 -وهناك أمور أخرى ما كانت في أصل وضعها من أمور الإيمان والغيب ولكنها أضحت كذلك بعد الخلفاء الراشدين، وهذه الأمور هي خلافة المسلمين، ومن الأحق بها، وتسلسلها وطريقة تحقيقها. فبالرغم من أن هذه الأمور هي من الأحكام الشرعية العملية إلا أنها تطورات في الفكر والعمل والاستدلال حتى أضحت قضايا عقدية مزقت المسلمين قديمًا وما زال هذا على صورة رهيبة إلى اليوم. فالذي قسم المسلمين إلى سنة وشيعة، وقسم الشيعة إلى مذاهب وعقائد مختلفة وجعل بين هؤلاء وأولئك أخاديد من الفرقة وركامًا هائلًا من الخلاف والشقاء وشحناء طويلة وحروبًا ودماء إنما هو الخلاف في أمر (الإمامة والخلافة .. ) وهذا الخلاف وإن كان قد بدأ يسيرًا زهيدًا إلا أنه قد تعمق مع الأيام وتأصل وتباعد حتى لكأن السنة والشيعة أصحاب دينين مختلفين.
أقول هذه المسائل من الخلاف بدأت في العمل ثم تعمقت حتى وصلت إلى مسائل العقيدة والإيمان، وهذا شأن الخلاف دائمًا يبدأ يسيرًا في أمر قد يكون تافهًا ثم يتطور ويتأصل ويتفرع حتى يصبح عميقًا بعيدًا (أذكر وأنا في رحلة في السودان مع طائفة من الإخوة طلاب الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية وكان معنا الأستاذ والمربي الفاضل محمد عبدالوهاب البنا. نزلنا في -بور سودان- ووجدنا الجماعة التي تدعو للإسلام في هذه المدينة منشقة على نفسها انشقاقًا عجيبًا.
قال لي أحدهم: - إن هؤلاء- يعني إخوانه الذين فارقهم يحكمون على أهل بور سودان بأنهم يعاشرون نساءهم في الحرام، وأن أولادهم أولاد زنا، فعجبت جدًا وقلت له: أسمعت هذا منهم؟ قال: نعم. قلت: وفي أي مناسبة قيل هذا الكلام؟ قال: في المسجد. قلت: يا أخي، أنا لا أتصور كلامًا كهذا يصدر من داع إلى الله! قال لي: إنهم يقولون بأن تارك الصلاة كافر كفرًا يخرج من الملة، ومعنى هذا أن زوجته تطلق منه إذ هي مسلمة وهو كافر، فإن لم تطلق فهو يعاشرها بالحرام، وأولاده من زنا وليسوا من نكاح صحيح. فقلت به: عجبًا يا أخي قد وصلت إلى هذا التسلسل الغريب العجيب الذي فهمته من كلام إخوانك ولم يقولوه نصًا. قال: إنه لازم كلامهم، قلت: إنهم عندما أطلقوا كلمة الكفر على تارك الصلاة ما عنوا ما ذهبت أنت إليه، وإنما أطلقوا في حقهم ما أطلقه رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: [بين المرء والكفر ترك الصلاة] ، ولقد اختلف الإمام أحمد مع صديقه الإمام الشافعي في هذه المسألة وقال أحمد: تارك الصلاة كافر كفرًا مخرجًا من الملة. وقال الشافعي: بل لا يخرج من الملة ويدفن مع المسلمين، ويقتل حدًا لأنه أقر بالتوحيد. ومع ذلك ما ألزم الإمام أحمد الشافعي وأتباعه ومالك وأبوحنيفة وأتباعهما بما ألزمته أنت إخوانك. أما يسعنا أن نطلق الحديث كما أطلقه رسول الله صلى الله عليه وسلم.