فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 257

النّصيحة)، كنتُ أقرأ الحديث وشرحه، وما عِشتُ معناه حتى قابلتُ أبا خبّاب، الذي كان نَصُوحًا لإخوانه في حُبٍ وتواضعٍ وأدبٍ جمّ، كان لا يعرف المداهنة، ولا يسكت على خطأ، والحقّ أنّي كنتُ لا أقدّر هذه الصّفة حتى رَحَل أبو خبّاب، وابتُليتُ بمن لا ينصح ويكتم في نفسه حتى تتعاظمَ في نفسهِ الصّغيرة، فتصيرُ جبلًا لا يُطاق حَمله، ثم ما يلبثُ أن يّلقى ما به، فيتطايرُ شرَرُه وجمرُه حتى يصعب تداركُ بلاءِه ولو نصَحَ وألقى عن نفسه ما ظنّه لاستراح وأراحَ، وصفى له ودّ إخوانه؛ وإنّا لله وإنا إليه راجعون.

ثمَّ إنَّ أبا خبّاب كان صاحبَ المهمّات الجِسام، والأمور التي ليس لها إلاّ مثلُه، ففي بغداد تجمّع عدد من المجاهدين أو هكذا، كان جلّهم ضبّاط سابقين، ووضعوا خطّة لاقتحامِ سجن أبي غريب، لكنّهم قالوا ينقُصنا قائدٌ ميداني، يقودُ الشباب ويزرع فيهم الثّقة، ويُلهب في نفوسهم الحمّية؛ حميّة الإسلام، فلما سمِع القائد أبو خبّاب بالأمر، قال - وهو الصادق - أنا لها، أنا مستعد، ومن جميل أخلاق وطِباع الشّهيد، حبّه الشّديد لإخوانه وحرصه عليهم، وتلذّذه بالإنفاق عليهم، فيُعرف عنه أنه كلّما جاءَ إلى إخوانه كان يحملُ دائمًا كيسه المعبّأ بالمكسّرات والحلوى ولذيذُ الأطعمة، فكان يُنفق على إطعام إخوانهِ الكثير، وكان دائمًا يقول لي: القائدُ إذا لم يكن كريمًا جدًا، قلَّ حظُّه من حُبِّ إخوانه، وصدَقَ والله، كادَ الكرم أن يكون سيّد الأخلاق فلقد رأيتُ النّاس أكثر ما يحمدون من الشيوخ أسامة حفظه الله، وأبي مصعب وأبي السّمح، كرَمهُم الشديد، وأنَّ الذي بأيديهم ليس لهم.

وكان من أجلّ صفات أبي خبّاب - رحمه الله - حبُّه للأطفال واهتمامه بهم، وكثرة الإغداق عليهم، وأحسن ما يُعجبه من الأطفال النظيف الذّكي، كان أبو خبّاب يقول:"أحبّ النّاس إلي ثلاثة، الشيخ أسامة والدكتور أيمن وأبو مصعب الزرقاوي"، وكان يقولُ لأبي مصعب:"اجعلني وزيرك"، وواللهِ كان لها أهلًا وزيادة، وأصدقكم القول يا إخواني ما عرفتُ قيمة الرجُل، ولا كُنوز أخلاقه وباهرَ صفاته، إلاّ بعد مماته،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت