يعني يا مالك لماذا لا تأخذ بحديث أهل العراق؟ قال:"حديث أهل العراق عندنا بمنزلة أهل الكتاب"، ويقول إذا جاوز الحديث الحارتين ذهب مخه، الحارتين يعني المدينة. فهو رجلٌ إذًا .. هذا تضييق دائرة الأثر.
من أجل هذا لما جاء الشافعي وقال كلمة - هذه فائدة من ابن تيمية، هذه النقطة (الكلمة) فائدة من ابن تيمية - قال الشافعي لأحمد قال:"إن صحّ عندك الحديث شاميًا كان أو عراقيًا أو مصريًا"ولم يذكر المدني، هذه فائدة من ابن تيمية، يقول: ولم يذكر الشافعي لأحمد كلمة الحديث المدني، لأنه متفقٌ عليه، ما فيه خلاف، ولَمّا قال شاميًا لأن هناك قيود للآخرين عليه، ولما قال عراقيًا لأن الآخرين لهم قيود عليه، بخلاف الحديث المدني فليس عليه قيود. فإذن مالك ضيق أووسع دائرة الأثر؟ ضيق. عندما يرد مالك بعض الأحاديث لأنها ليست من عمل بلده، ليست من عمل أهل المدينة:"ليس عليه أهل بلدنا"، عندما يُسأل عن العقيقة فيقول بدعة، لماذا يا مالك؟ لأنه ليس عليه أهل بلدنا. لما يرد حديث (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) ، ليس عليه أهل بلدنا. وابن ابي ذئب شد النكير على مالك في هذه المسألة .. إلخ، ليس هذا موطنه.
فإذًا ضيق مالك، فإذن هو في الحقيقة من أهل الرأي لأنه ضيق دائرة الأثر، و معاصر مالك - أبو حنيفة - كان كذلك، فأبو حنيفة كان كذلك؛ انظر إلى تقييداته في الأخذ بالأثر، تقييدات شديدة: إذا لم يوافق الأصول، إذا هذا الحديث لم يوافق القياس، إلى غير ذلك. ترون قلة الأخذ بالأثر لأصولهم ولأسبابٍ علميةٍ عندهم.
جاء الشافعي ليصنع التوازن، ومن أجل هذا - انتبهوا -، لو سأل سائل لماذا ألف الإمام الشافعي كتاب (الرسالة) لكان هذا الجواب؛ وهو أنه لما رأى هذا التضييق على الأثر لأسباب عند الطرفين، وذهب، ورأى أن هذا ينبغي أن يُفتح، الناس لازم تنفتح على بعض، لازم أهل الرأي وأهل الحديث والمشاكل يللي بينهم لازم تفتح في مجال، فجاء ووسع دائرة الأثر. ولذلك الشافعي كان من أهل الأثر لأنه وسع دائرة الأثر وقلل القياس، وقال عنا لقياس إنه كأكل الميتة عند فقد الطعام"- مش هيك؟ هذه كلمته -، فلما يفقد الأثر (الحديث) نذهب إلى القياس، وأي حديث يصح"