فهرس الكتاب

الصفحة 758 من 809

وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ الْحُقُوقَ تَتَعَلَّقُ بِالتَّرْكِ كَمَا تَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ، مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ، أَوْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، أَوْ مِنْهُمَا جَمِيعًا، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا؛ فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ) ":"

هذه الجملة هي أساس بناء فصل كبير في البدع، وشرحها في (الاعتصام) شرحًا عظيمًا، وهو ما يُسمى بالبدعة التَّركيَّة. هناك بدعة فعلية وبدعة تركية، الذين قالوا: لا نأكل أبدًا، لا نشرب أبدًا، لا نتزوج أبدًا، هذه بدعة تركيَّة. فقال: فإن الترك كذلك تكليف بالقصد له كذلك أركانه وشروطه، وإن كانت غير مُنتبه إليها لكونها تركًا، ولكن هي كذلك يجب أن تكون، لأن الترك يكون إثمًا في بعض الحالات، كما أن الفعل يكون إثمًا.

وهذه ارجعوا إليها لمن أراد التوسع في (الاعتصام) ، موجود الشرح الطويل والمفصل، ويكفي أن يعلم المرء أن هناك بدعًا تركية.

"وَتَأَمَّلْ حَدِيثَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-":

تعرفون قصة حديث سلمان: أن سلمان زار أبا الدرداء ووجد زوجته شعثاء، فسألها، فقالت: هذا أبو الدرداء ما يحتاج لنا، فعلَّمه ماذا يقوم به:"إن لربك عليك حقًا، ولبدنك، ولأهلك"، وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: (صدق سلمان) .

"وَتَأَمَّلْ حَدِيثَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- يُبَيِّنْ لَكَ هُوَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ أَنَّ الْفِعْلَ وَالتَّرْكَ -فِي الْمُبَاحِ عَلَى الْخُصُوصِ- لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ؛ فَالْحِسَابُ يَتَعَلَّقُ بِطَرِيقِ التَّرْكِ كَمَا يَتَعَلَّقُ بِطَرِيقِ الْفِعْلِ":

يعني هل أنت مُحاسب على ترك أمور مباحة؟

"وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ ثَبَتَ أَنَّ الْحِسَابَ إِنْ كَانَ رَاجِعًا إِلَى طَرِيقِ الْمُبَاحِ؛ فَالْفِعْلُ وَالتَّرْكُ سَوَاءٌ. وَإِنْ كَانَ رَاجِعًا إِلَى نَفْسِ الْمُبَاحِ أَوْ إِلَيْهِمَا مَعًا؛ فَالْفِعْلُ وَالتَّرْكُ أَيْضًا سَوَاءٌ."

وَأَيْضًا؛ إِنْ كَانَ فِي الْمُبَاحِ مَا يَقْتَضِي التَّرْكَ؛ فَفِيهِ مَا يَقْتَضِي عَدَمَ التَّرْكِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ مَا امْتَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ":"

هو الآن يقول: أنتم أوردتم نصوصًا في قضية ترك المباح كونه مسؤولا عنه يوم القيامة، لماذا لم تلتفتوا إلى الآيات التي تبيّن امتنان الله على عبيده بهذه المباحات؟ والامتنان هو أصل من أصول الإباحة والجواز، ولذلك إذا امتنّ الله -عزَّ وجلَّ- على عبيده بأمر؛ فأدنى درجات هذا الأمر هو المباح، وقد يدل على الوجوب أو الاستحباب، وهذه قاعدة من قواعد الفقه. كيف يمتن الله -عزَّ وجلَّ- على شيء يمنعه؟! كأن يمتن الله -عزَّ وجلَّ- بالطعام أو بالشراب، وسورة النحل فيها تفاصيل النِّعم، -هذه كلمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت