إذًا هو بحث في شروط المباح، السؤال يوم القيامة بحث لتحقق الإباحة، لأن الإباحة قد تنتقل للحرمة، كأن يكون مباحًا لكن أخذته بطريق حرام.
وأنا فقط أحببت أن نمر عليه وأن نقرأ هذا الكلام لما فيه من تعليم عقلي: كيف نناقش، كيف نفهم صورة المسألة، كيف الرجل يتكلم في شيء ويخرج إلى شرط آخر، نفهم هذا في الحديث وفي الحوار.
"وَإِنْ لَمْ تُرَاعَ كَانَ التَّسَبُّبُ وَالتَّنَاوُلُ غَيْرَ مُبَاحٍ."
وَعَلَى الْجُمْلَةِ؛ فَالْمُبَاحُ كَغَيْرِهِ مِنَ الْأَفْعَالِ لَهُ أَرْكَانٌ، وَشُرُوطٌ، وَمَوَانِعُ، وَلَوَاحِقُ تُرَاعَى، وَالتَّرْكُ فِي هَذَا كُلِّهِ كَالْفِعْلِ، فَكَمَا أَنَّهُ إِذَا تَسَبَّبَ لِلْفِعْلِ كَانَ تَسَبُّبُهُ مَسْؤُولًا عَنْهُ؛ كَذَلِكَ إِذَا تَسَبَّبَ إِلَى التَّرْكِ كَانَ مَسْئُولًا عَنْهُ"."
هذه الجملة هي أساس الفتوى، لا يجوز للمفتي أن يتكلم عن أصل الشيء فقط فهذا تزوير، بل ينبغي أن يتكلم عن الشيء في أصله -يعني حكمه التكليفي-، وعليه أن يتكلم عنه وعن شروطه وعن موانعه وعن أسبابه وعن لواحقه -أي مآلاته-، وإلا بعد ذلك يصبح أُلعوبة في دخول الناس إلى الجنة وهو في جهنم، الناس يضحكون ويقولون: حلال حلال، وهم يأكلون ويشربون على ظهره وهو في جهنم!
فهذه القضية أصل الفتوى، ينبغي أن ينظر الفقيه في الفتوى إلى واقعها: إلى ما موانع هذا الفعل، إلى أسبابه، إلى شروطه، إلى مآلاته. هذه الجملة ينبغي أن يُنظر إليها في كل حكم، وليس في المباح فقط: في الواجب، في المكروه، في الحلال، في الحرام، وهكذا.
"وَالتَّرْكُ فِي هَذَا كُلِّهِ كَالْفِعْلِ":
كذلك الترك، واحد يترك أشياء واجبة عليه، وهكذا.
"وَلَا يُقَالُ: إِنَّ الْفِعْلَ كَثِيرُ الشُّرُوطِ وَالْمَوَانِعِ، وَمُفْتَقِرٌ إِلَى أَرْكَانٍ بِخِلَافِ التَّرْكِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ فِيهِ قَلِيلٌ، وَقَدْ يَكْفِي مُجَرَّدُ الْقَصْدِ إِلَى التَّرْكِ":
"ما دام الفعل والمباح له شروط، الترك شروطه قليلة"، يقول: هذا غير صحيح.
"لِأَنَّا نَقُولُ: حَقِيقَةُ الْمُبَاحِ إِنَّمَا تَنْشَأُ بِمُقَدِّمَاتٍ، كَانَ فِعْلًا أَوْ تَرْكًا، وَلَوْ بِمُجَرَّدِ الْقَصْدِ."