"فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} [الْأَعْرَافِ: 6] ".
سيُسأل يوم القيامة المرسلون، فهل هذه عقوبة؟!
"فَقَدِ انْحَتَمَ عَلَى الرُّسُلِ -عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- أَنْ يُسْأَلُوا عَنِ الرِّسَالَةِ وَتَبْلِيغِ الشَّرِيعَةِ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا مَانِعًا مِنَ الْإِتْيَانِ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمُكَلَّفِينَ."
لَا يُقَالُ: إِنَّ الطَّاعَاتِ يُعارِض طَلَبَ تَرْكِهَا طَلَبُهَا، لِأَنَّا نَقُولُ: كَذَلِكَ الْمُبَاحُ، يُعَارِضُ طَلَبَ تَرْكِهِ التَّخْيِيرُ فِيهِ، وَإِنَّ فِعْلَهُ وَتَرْكَهُ فِي قَصْدِ الشَّارِعِ بِمَثَابَةٍ وَاحِدَةٍ":"
فلا يُقال بأن الطاعات يعارض طلبُها طلبَ تركها، لا يُقال هذا، لأننا كذلك نقول في المباح: يعارض طلب تركها التخيير فيها. يوم القيامة لما تُسأل عن الطاعات؛ تُسأل عنها من أجل أنك فعلتها، وإذا سُئلت عن المباح؛ تُسأل في أنك خُيّرت فيها.
"لِأَنَّا نَقُولُ: كَذَلِكَ الْمُبَاحُ، يُعَارِضُ طَلَبَ تَرْكِهِ التَّخْيِيرُ فِيهِ، وَإِنَّ فِعْلَهُ وَتَرْكَهُ فِي قَصْدِ الشَّارِعِ بِمَثَابَةٍ وَاحِدَةٍ":
فكل هذا من باب الافتراض، وهذا جانب عقلي ينبغي أن يكون عندك السعة فيه، فلا يُقال إن طلب الطاعات يعارض تركها طلبها، لأننا نقول بأن الذي يعارض طلب المباح التخيير فيها، كلاهما على حد سواء.
"وَالثَّالِثُ: أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنَ الْحِسَابِ عَلَى تَنَاوُلِ الْحَلَالِ قَدْ يُقَالُ: إِنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى أَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ نَفْسِ الْمُبَاحِ":
يرجع إلى القضية الأولى، أن هذا لأمر خارج عن نفس المباح.
"فَإِنَّ الْمُبَاحَ هُوَ أَكْلُ كَذَا مَثَلًا، وَلَهُ مُقَدِّمَاتٌ، وَشُرُوطٌ، وَلَوَاحِقُ لَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاتِهَا":
إذًا هو يريد أن يقول: هذا مباح، وأمر الشارع فيه التخيير، وقال: ما تكلمتم عنه من الحساب ليس راجعًا للمباح؛ بل هو راجع إلى شروطه: كيف جئت به، فأنت تُسأل عن المال -مثلًا- كيف جئت به؛ لتتحقق الإباحة، وكيف أنفقته؛ لتتحقق صفة المباح في الإنفاق وفي الإهلاك. فهو ليس كلامًا عن المباح؛ إنما هو لتحقق شروط الإباحة فيه، وهكذا.
"فَإِذَا رُوعِيَتْ صَارَ الْأَكْلُ مُبَاحًا":