هل يصح أن يُقال هذا؟ هل يصح أن يُقال بأن كل مباح يقينًا يكون وسيلة إلى المحرَّم؟ لا. لكن ثبت يقينًا أن من ترك المباح وقع في الحرام، فهذه جزئية، والأولى إعمال ما هو في نهايته وخاتمته كليّ، بخلاف ما هو جزئي.
"فَظَهَرَ أَنَّ مَا اعْتُرِضَ بِهِ لَا يَنْهَضُ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ تَرْكَ الْمُبَاحِ طَاعَةٌ."
وَأَمَّا قَوْلُهُ:"إِنَّهُ سَبَبٌ فِي طُولِ الْحِسَابِ"؛ فَجَوَابُهُ مِنْ أَوْجُهٍ":"
انتبهوا الآن إلى جواب الشيخ هنا، فهو يأتي بأمور عظيمة من الفهم والعلم.
"وأما قوله:"إنه سبب -أي المباح سبب- في طول الحساب؛ فَجَوَابُهُ مِنْ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ فَاعِلَ الْمُبَاحِ إِنْ كَانَ يُحَاسَبُ عَلَيْهِ؛ لَزِمَ أن يكون التارك مُحاسبًا على تركه":"
لاستوائهما، هو يناقشه عقليًا هنا.
"مِنْ حَيْثُ كَانَ التَّرْكُ فِعْلًا، وَلِاسْتِوَاءِ نِسْبَةِ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ شَرْعًا":
هو يقول: الشرع قال له: افعل أو لا تفعل، فإذا حاسبه على الفعل؛ فعليه أن يحاسبه على الترك، كقاعدة.
"وَإِذْ ذَاكَ يَتَنَاقَضُ الْأَمْرُ عَلَى فَرْضِ الْمُبَاحِ، وَذَلِكَ مُحَالٌ؛ فَمَا أَدَّى إِلَيْهِ مِثْلُهُ."
وَأَيْضًا؛ فَإِنَّهُ إِذَا تَمَسَّكَ بِأَنَّ حَلَالَهَا حِسَابٌ، ثُمَّ قَضَى بِأَنَّ التَّارِكَ لَا يُحَاسَبُ، مَعَ أَنَّهُ آتٍ بِحَلَالٍ، وَهُوَ التَّرْكُ؛ فَقَدْ صَارَ الْحَلَالُ سَبَبًا لِطُولِ الْحِسَابِ وَغَيْرَ سَبَبٍ لَهُ، لِأَنَّ طُولَ الْحِسَابِ إِنَّمَا نِيطَ بِهِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ حَلَالًا بِالْفَرْضِ، وَهَذَا تَنَاقُضٌ مِنَ الْقَوْلِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْحِسَابَ إِنْ كَانَ يَنْهَضُ سَبَبًا لِطَلَبِ التَّرْكِ؛ لَزِمَ أَنْ يُطلب تَرْكُ الطَّاعَاتِ مِنْ حَيْثُ كَانَتْ مَسْؤُولًا عَنْهَا كُلِّهَا":"
فإذًا: لزم أن يُطلب ترك الطاعات لأنه يكون مسؤولًا. يقول: إذا كان المرء مسؤولًا عن المباح، وكان هذا السؤال تعدونه شيئًا ثقيلًا، وشيئًا فيه عقوبة يوم القيامة؛ فإن السؤال يوم القيامة يكون كذلك عن الفرائض وعن كل أمر مأمور به، فإذًا يكون فعل الفرائض كذلك من الثِّقل.
طبعًا هذا كله من التمرين العقلي فقط، ولذلك نمر عليه سريعًا.