قد ملكته، أمّا مجرد أن يكون الشيء عندك حاضرًا وواضحًا وبيّنًا ولا تعرف كيف تأصّل ولا كيف نشأ وما هو دليله، هذه مشقة.
هذا علم، الناس الآن يتكلمون عن هذه النهايات وكيف هي، ويحفظونها ولا يعرفون كيف نشأت وبهذا لا تكون لعقولهم دَربة، لا تتدرب عقولهم. العقل يتدرب لا بإدراك الشيء ولكن بمعرفة تكونه -كيف تكون -، وهذا الذي كان من مَهمات قراءة كتب الأوائل وبها يتمايزون.
نسمع أن الربيع المرادي قرأ (الرسالة) أكثر من مئة مرة أو أكثر أو أقل. الرسالة الآن نجلس، أربع أو خمس دروس ممكن نشرح ما فيها من أمور ويدركها الطالب الصغير، أي طالب علم مبتدأ تُعرفه ما فيها، لكن لماذا يقرؤها؟ من أين جاءت، كيف جاءت؛ ولذلك الأستاذ شاكر في كتابه (أباطيل وأسمار) ، وبيّن هذا كذلك في كتاب لعله (نمط صعب ونمط مخيف) ، تكلم عن ما هو المنهج العلمي، وقال بأن المنهج العلمي - وهذه من الفوائد الغزيرة له - لا بد من تناول المادة، وتحدث عن ما قبل المنهج ولا أريد أن أتوقف عندها وهى مهمة، ولكن أنت تعرف العالِم مما يقرره وكيف نشأ. إن علِمت كيف نشأ علِمت أن الرجل هذا لما قرأ ألف كتاب، لما قرأ شِعر الجاهليين، لما قرأ أدبهم وخطبهم، ثم غاص فيها غَوْصَ المدقِّق، الباحث، التعب، حتى أدرك سرها: كيف هذه اللغة، كيف جمَع المتماثلات، وكيف فرَّق بين المفترقات، بماذا تميز هذا، كيف العرب يكتبون هذا الكلام ... إلخ. هذا هو الذي ينتج العلوم.
الآن القراءة كلها تتحدث عن الجواهر البيِّنة التي يعرفها الناس، الغوص في الداخل هذا ضعيف. ومن أعظم الغوص في العلوم أو القواعد أو كل العلوم، أن تعرف كيف تكَوَّنت، ما الذي أنشأها؛ حين تعرف منشأها تعرف مقدار علم العلماء السابقين.
يعني هذا الإمام الشافعي يقول عنه الأصمعي:"أخذت شعر الهذليين عن فتى في مكة اسمه إدريس الشافعي"أصلًا الشافعي - رحمه الله - كان أمره أمر الأدب والشعر، فجمع الشعر وتلذذ به ثم بعد ذلك