فهرس الكتاب

الصفحة 591 من 809

يزعمون ما قلناه سابقًا بأن الحروف لها معاني رقمية وغير ذلك: الحرف يعني كذا، النجم يعني كذا، وهذا من الكلام الكاذب الفاسد الذي لا تعرفه العربية ولا يعرفه أئمتها، ويزعمون أن هذا من السر، وينسبون بعض الأحاديث لرسولنا - صلى الله عليه وسلم - وهي مكذوبة موضوعة منحولة، مثل قولهم أن عمر -رضي الله عنه- دخل على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى أبي بكر فوجدهما يتناجيان، فقال:"كنت بينهما كالزنجي"، وهذا كذب، النبي - صلى الله عليه وسلم - كما قال علي -رضي الله تعالى- عنه: هل خصكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل البيت بشيء؟ قال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما خصنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشيء، إلا بشيء يعلمه المرء من كتاب ربنا، وذكر شيئًا من الخاص وليس هو من الخاص، كان معه كتاب يضعه في قراب سيفه، ويقال فيها فكاك الأسير إلى غير ذلك، فالصحابة لا يوجد عندهم سر، وكما قال عمر بن عبد العزيز -رضي الله تعالى عنه ورحمه-:"إذا رأيت العلماء يتناجون دون العامة فاعلم أنهم على شر".

"وعلم النجوم": ويقصدون به أن حركة النجوم تعطي علومًا قدرية وعلومًا شرعية، وهذا باطل.

"ولقد اتسع الخرق في الأزمنة المتأخرة على الراقع":

وهذه تضعونها تحت باب وصف الشاطبي لحال زمانه، ومن فوائده أي كتاب أنكم تعرفون كيف يتحدث العالم عن زمانه، وهذا من ذكر الزمان الذي هو فيه، يقول بأن في زمانه انتشر مثل هذه الدعاوي الباطنية الكاذبة مثل علم الحروف، علم النجوم، إلى آخره.

"فكثرت الدعاوي على الشريعة بأمثال ما ادعاه الباطنية حتى آل ذلك إلى ما لا يعقل على حال، فضلا عن غير ذلك، ويشمل هذا القسم ما ينتحله أهل السفسطة والمتحكمون":

ذكرنا ما المقصود بالسفسطة، المتحكمون هم الذين يأتون بالعلوم ويريدون إقحام الشريعة فيها، فيتحكمون بالنص، وليس النص هو الذي يتحكم بهم، فيتحكمون بالنص ليخدم ما هم عليه، هؤلاء هم المتحكمون.

"وكل ذلك ليس له أصل ينبني عليه ولا ثمرة تجنى منه؛ فلا تعلق به بوجه؛"

فصل: وقد يعرض للقسم الأول أن يعد من الثاني، ويتصور ذلك في خلط بعض العلوم ببعض؛ كالفقيه يبني فقهه على مسألة نحوية مثلا، فيرجع إلى تقريرها مسألة -كما يقررها النحوي- لا مقدمة مسلمة، ثم يرد مسألته الفقهية إليها، والذي كان من شأنه أن يأتي بها على أنها مفروغ منها في علم النحو فيبني عليها، فلما لم يفعل ذلك، وأخذ يتكلم فيها, وفي تصحيحها، وضبطها، والاستدلال عليها، كما يفعله النحوي؛ صار الإتيان بذلك فضلا غير محتاج إليه،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت