مراتب الأدلة: أولًا: المفسر والمحكم عندهم، أول شيء عندهم المحكم، ثم المفسر، ثم النص، ثم الظاهر. ما الظاهر عند الأحناف؟ الظاهر عند الأحناف هو ما فُهم تبعًا لا أصالة، ويمثلون على ذلك بقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} ، فيقولون هذا ليس أصالةً، لم يرد بها هذا، إنما أراد، ما هو الأصالة؟ هو تفرقة البيع عن الربا، هذا أصالة:"البيع ليس مثل الربا"، وما هو؟ {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} ، هذا تبعًا، انظر، فكان التبع فيما يظهر لنا أجمل من الأصالة. يعني عندما نقول: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} ، هذا ماذا هو؟ هذا سيق تبعًا للرد على الذي قالوا: {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} ، الله أراد أن يبين أن البيع ليس مثل الربا، فجاء تبعًا: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} ، فكان التبعي أجمل من الإصالة في الرد عليهم.
النقطة التي بين يدينا، والآن نرجع إلى مقصد الشيخ نرجع إلى الكتاب، ما زلنا مع الكتاب لا نريد أن نطير فنبتعد عنه.
الشيخ تقدم في ذكر مقالة مخالفيه، في أنهم قالوا بأن العلوم فرض كفاية، ومن ذلك أن هناك من العلوم ما هي فرض كفاية على جهة الرد -انتبهوا-، هي فرض كفاية على جهة الرد على فاعليها المبتلين، فتعلم السحر والطلسمات وغير ذلك هي فرض كفاية، لماذا يقول؟ هؤلاء يقولون: السبب أنها فرض كفاية هو للرد على هؤلاء، واضح الكلام؟ واضح يا مشايخ؟ يقول أنها فرض كفاية للرد، ليس السحر فرض كفاية من أجل ذات هذا العلم، فهو علم باطل بل شركي، لكنه فرض كفاية للرد. الشيخ رد عليهم بما تقدم مما قرأ لنا الشيخ فقال:"إنَّا لا نسلم ذلك على الإطلاق -والدليل أنه إذًا يسلم ببعض جهته أو ببعض معانيه- وإنما فرض الكفاية رد كل فاسد وإبطاله، علم ذلك الفاسد أو جهل؛ إلا أنه لا بد من علم أنه فاسد، والشرع متكفل بذلك"، يقول بأنه، بأن ما قلتموه هو ليس على إطلاقه، وإنما المراد من الرد معرفة إبطاله، وليس معرفة حقيقته، ماذا يعني هذا؟ يعني أنك ربما تُبطل الشيء دون أن تعرف حقيقته -دون أن تعرف ماذا؟ يعني ما معنى حقيقته؟ كنهه، ماهيته، كيف هو-، ولكنك تعلم ما يشارك هذا العلم من الغلط، وأما كنهُه فأنت جاهل به. ويضرب على ذلك بالسحر، فإن السحر يجهله العالم، ولا يعرف كيف يمشي هذا العمل وهذا الفن البشري، لا يعرف العالم كيف يمشي على يد فاعله، لكن المسلم وطالب العلم يعلم بأن هذا العلم باطل، لماذا؟