وهذا تعريف بعد التنكير، ولو كان عالما به لم يعرف به، والذي كان يعرف من ذلك أنهم مبطلون في دعواهم على الجملة، وهكذا الحكم في كل مسألة من هذا الباب، فإذا حصل الإبطال والرد بأي وجه حصل، ولو بخارقة على يد ولي لله، أو بأمر خارج عن ذلك العلم ناشئ عن فرقان التقوى؛ فهو المراد، فلم يتعين إذا طلب معرفة تلك العلوم من الشرع""
رحم الله الشاطبي، هذه جملة مفيدة، فيها فوائد جمة، وتدل على أن الرجل يعرف مراتب الأدلة، ونحن، لا نقول من باب الحكم، ولكن من باب الاكتشاف، ليس لنا أن نحكم على الإمام، لكننا نكتشف الإمام، فلما نقول يدل على أن الرجل يوَسع باب الأدلة على خلاف ما يقوله البعض، وهذه مسألة -أي توسع أو توسيع باب الأدلة- شأن الكبار، هذه المسألة شأن الكبار، ولأن الصغار لا يعرفون إلا الحدود الدنيا والحدود العليا، فقط، الصغار لا يعرفون إلا الحدين، فهم لا يعرفون، كما يقول الجاحظ، الجاحظ له كلمة رائعة -لا بأس- في كتابه (الحيوان) ، يقول: الجهلة لا يعرفون إلا الإنكار المطلق، ولا يعرفون إلا اليقين المطلق، فهم إما مكذبون لما يسمعون على الجملة، أي إذا جاءهم خبر كذبوه، وإما يصدقونه، فهذان حدان لهما. العلماء ليس هذا شأنهم، لماذا؟ لأنه بين اليقين المطلق، وبين الإنكار والرد المطلق، هناك مراتب، هذا هو شأن العلماء. وابن القيم -رحمة الله عليه- في كتابه (الطرق الحكمية) أتعب نفسه وجرى جري اللاهث من أجل أن يبطل هذه القاعدة، وهي حصر الأدلة، واضح يا مشايخ؟ وابن تيمية -رحمه الله- في (نقض المنطق) صار في هذا السبيل قبله، عندما رد على المناطقة في الأدلة الموجبة للعلم، على طريقته، فردها، وابن القيم لما جاء إلى معنى الأدلة ردها، والآن سأتكلم عن ابن حزم، رد هذه الأقاويل التي تَحصُر الأدلة، هناك شو قال؟ كلمته:"كل ما أدى إلى الحق فهو دليل"، على الرد على الذين يوجبون الشهود أو الاعتراف في معرفة الأدلة في طرق القضاء. كتابه (طرق الحكمية) فقط لهذا، لو قال قائل أن كتاب ابن القيم -رحمة الله عليه- من أجل هذه المسألة لأصاب، والكتاب كذلك، للرد على من حصر الأدلة عند القاضي لمعرفة الحقيقة، الأدلة لا حصر لها. ابن تيمية رد على أهل المنطق عندما قالوا:"إن الطريق الوحيد لتحصيل التصور هو الحد"، رد عليهم. وهذا رجل كذلك عظيم في هذا، لا يهمني كيف رد عليهم في المسألة التي بين أيدينا، سأبينها، ولكن ما يهمني أن الشيخ على سنن هؤلاء الكبار.
وأنا أقول نحن لا نحكم ولكننا نكتشف، هذه مهمة جدًا، لئلا يقول قائل أننا جلسنا فوق مرصد عال لنحكم على الناس أو على كبار الأئمة، نحن في مقام التعلم، واضح هذا؟ وكذلك ابن حزم،