فهرس الكتاب

الصفحة 287 من 809

العادية؛ فإن عامة المشتغلين بالعلوم التي لا تتعلق بها ثمرة تكليفية تدخل عليهم فيها الفتنة والخروج عن الصراط المستقيم، ويثور بينهم الخلاف والنزاع المؤدي إلى التقاطع والتدابر والتعصب، حتى تفرقوا شيعا، وإذا فعلوا ذلك خرجوا عن السُنّة، ولم يكن أصل التفرق إلا بهذا السبب، حيث تركوا الاقتصار من العلم على ما يعني، وخرجوا إلى ما لا يعني؛ فذلك فتنة على المتعلم والعالم، وإعراض الشارع - مع حصول السؤال - عن الجواب من أوضح الأدلة على أن اتباع مثله من العلم فتنة أو تعطيل للزمان في غير تحصيل""

هنا الشيخ جاء إلى الوجه الأول وبيَّن العبرة بما فيه فائدة، وقال بأن هناك من العلوم ما ليس فيه فائدة، إلا مجرد حصول اللذة، فلذلك هي غير معتبرة، هكذا قال، وقد صحَّ كلامه -رحمه الله-، ثم جاء هنا -فيما قال وتكلم - إلى واقع المشتغلين بالعلوم التي لا أهمية لها في الشرع، ولم يقم لها الشرع اعتبارا.

واضح أن كلام الشيخ أبي إسحاق هنا عن الفلاسفة، هذا كلامه عن الفلاسفة بأن هؤلاء اشتغلوا في علومٍ لم يأت بها الشارع، أو أنه قد سئل عنها في بعض وجوهها - كمسألة ماهية الروح -، فأعرض عنها وتركها، فهؤلاء الذين اشتغلوا بهذه الأمور في الغيبيات التي لم يأت الشارع ببيانها، أو اشتغلوا بعلوم للعقل فيها مجال كبير وعريض للبحث، وهنا يقول الشيخ بأن هؤلاء قد ثبت أنهم أبعد الناس عن مقاصد الشرع في سلوكهم وأعمالهم.

وها هنا نقطة مهمة يا مشايخ، وهو أنه جعل مناط الفساد - في هذه العلوم - أنها جعلت العاملين فيها شيعًا وفرقًا. انتبهوا إلى هذا، دلت القاعدة على أن أيَّ أمرٍ - وسَنُبيّن حتى لو كان الاشتغال بالقرآن، سَنُبيّن هذا الأمر - من أمور العلم كان سببًا للخلاف والشقاق والتفرق هو أمر باطل، ينبغي الإعراض عنه، وهذا يحصل بسببين يا مشايخ، يحصل بسببين:

السبب الأول: إمّا بالنظر إلى ذات العلم، على ما يريد الشيخ أبو إسحاق، بأن هذا العلم لا منفعة فيه. هذه العلة تحصل بسببين - أي علة التفرق في النظر إلى العلم -، إمّا بسبب أن العلم ليس بنافع، ومعنى أنه ليس بنافع أن الشارع لم يأت به، ولما كان الشارع قد أعرض عنه فلا جواب سوى الرأي، وكل رجل له رأي، واضح؟ لما انقطع حكم الشارع عن المسألة، ما الذي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت