وإن كان رجلًا ففيه روايتان:
إحداهما: لا يرجع أيضًا، وهو قول الحسن والنخعي والشافعي؛ لأن الرجوع إليهم معصية فلم يلزم بالشرط؛ كما لو كان امرأة، وكما لو شرط قتل مسلم، أو شرب الخمر.
والثانية: يلزمه وهو قول عثمان والزهري والأوزاعي؛ لما ذكرنا في بعث الفداء.
ولأن النبي عليه السلام عاهد قريشًا على رد من جاءه مسلمًا ورد أبا بصير وقال: (( إنا لا يصلح في ديننا الغدر ) ) [1] . وفارق رد المرأة فإن الله فرق بينهما في هذا الحكم حين صالح النبي صلى الله عليه وسلم قريشًا على رد من جاءه منهم مسلمًا فأمضى الله ذلك في الرجال ونسخه في النساء.
مسألة: (ولا يحل لمسلم أن يهرب من كافرين، ومُباح له أن يهرب من ثلاثة. فإن خشي الأسر قاتل حتى يُقتل) .
أما إذا التقى المسلمون والكفار وجب الثبات وحرم الفرار بدليل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا} [الأنفال:45] ، وقوله: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفًا فلا تُوَلّوهم الأدبار. . . الآية} [الأنفال:15] .
وذكر النبي عليه السلام الفرار يوم الزحف فعده من الكبائر.
وحكي عن الحسن والضحاك أن هذا كان يوم بدر خاصة ولا يجب في غيرها والأمر مطلق وخبر النبي عليه السلام عام فلا يجوز التقييد والتخصيص إلا بدليل وإنما يجب الثبات بشرطين:
أحدهما: أن يكون الكفار لا يزيدون على ضعف المسلمين فإن زادوا عليه جاز الفرار؛ لقول الله تعالى: {الآن خَفَّفَ الله عنكم وعلم أن فيكم ضَعفًا فإن يكن منكم مائةٌ صابرةٌ يغلبوا مائتين} [الأنفال:66] وهذا إن كان لفظه لفظ الخبر فهو أمر بدليل قوله تعالى: {الآن خفف الله عنكم} [الأنفال:66] ، ولو كان خبرًا على حقيقته لم يكن ردنا
(1) أخرجه البخاري في صحيحه (2581) 2: 979 كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد...