المدينة الواحدة، وإذا تنازع الخصمان في اختيار إحدى المحاكم أجيب الطالب"المدعي"وروعي حق المدعى عليه في بعض الأحيان، وهذا بخلاف ما تجري عليه قوانين أصول المحاكمات العربية اليوم التي تتفق مع رأي الحنفية والمالكية، وإن كان كل من الخصمين مدعيًا ومدعى عليه تحاكما عند أقرب المحكمتين إليهما، فإن استويا في القرب عمل بالقرعة (3) ، كما يتم التعاون بين المحاكم عن طريق:"كتاب القاضي إلى القاضي" (4) ·
ونشير هنا إلى وجود هيئة قضائية عليا، تشرف على المحاكم الأولى، وتراقب أعمالها، وتراجع أحكامها، وتدقق ما يصدر عنها، وتفتش عليها، وتتصفح قراراتها، فإن وجدتها مناسبة ومتفقة مع الشرع أقرتها، وإن خالفت النص أو الإجماع أو القياس الجلي نقضتها ورفضتها، وأعادتها إلى المحكمة التي أصدرتها لتعيد النظر فيها، وهو ما يسمى اليوم بمحكمة الرقابة، أو محكمة التمييز، وتسمى في الأردن محكمة الاستئناف الشرعية، وفي تونس محكمة التعقيب، وفي المغرب المجلس الأعلى، وفي مصر محكمة النقض، وفي ليبيا المحكمة العليا، وفي المملكة العربية السعودية محكمة التمييز كسورية (1) ·
ويمكن تعداد أنواع المحاكم في القضاء الإسلامي للعصر الحاضر، مع مراعاة التطور الحديث، والتوسع في جنبات القضاء، كما يلي:
1 -محكمة القضاء الشرعي عامة ·
2 -محكمة الأحداث أو الصغار ·
3 -محكمة الأمور اليسيرة أو محاكم الصلح، أو المحاكم الجزئية ·
4 -محكمة الأمور المستعجلة ·
5 -محكمة العسكر ·
6 -المحاكم الجزائية ومحكمة الجنايات ·
7 -محكمة الأسرة أو الأحوال الشخصية ·
8 -المحكمة المدنية أو البداية أو المعاملات ·
9 -المحكمة التجارية ·
01 -المحكمة العليا، أو محكمة المراقبة، أو محاكمة النقض أو التمييز ·
ويوجد الكثير من هذه المحاكم في البلاد العربية كالمملكة العربية السعودية وغيرها (2) ·
الفصل الرابع
الإجراءات القضائية
إذا كان التنظيم القضائي في الإسلام على مارأينا من الدقة والإحكام، والإتقان وجودة الاختيار، وحسن التطبيق، فالواقع أن هذه الأمور لا تمثل إلا نصف القضاء، وشطر العدل، لأنه لا يكفي إقرار الحق والاعتراف به، ولا يجدي فتح المحاكم وتنظيمها واختيار القضاة، إذا لم يكن الطريق أمام القضاء معبدًا، وسبيل الحكم سهلًا، وسير القضاء منظمًا ومحكمًا ومتقنًا، وذلك أن المحاكم والقضاة يشكلون هيكل القضاء أثناء الثبات والاستقرار، بينما تبين الإجراءات القضائية، التي تسمى اليوم أصول التقاضي أو المحاكمات، الصورة والجوهر أثناء الحركة والعمل والنشاط، وهذا هو المعيار الحقيقي في تحقيق العدل، وكثيرًا ما يدهش العقل لفكرة أو لمبدأ، فإذا طبق تراجع عنه، وانكشف زيفه، والشريعة الغراء، وضعت أصول التقاضي على أقوم منهج، وأحكمت مبادئه، ورسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسس العامة التي كانت منار الأمة في تحقيق العدل، وكانت