بينهما، فيعين قاض للنظر في أول النهار، ويعين آخر للنظر في آخر النهار، وكذا لوعين للقضاء في أيام معينة في الأسبوع جاز ·
ويمكن أن يدخل في هذا النوع القاضي المناوب في أيام العطل والأعياد، أو في الليالي وأيام الجمع، وهو ما يعرف اليوم بقاضي الأمور المستعجلة ·
قال الماوردي:"ولو قال: قلدتك النظر بين الخصوم في كل يوم سبت جاز، وكان مقصور النظر فيه، فإذا خرج يوم السبت لم تزل ولايته قائمة لبقائها على أمثالها من الأيام، وإن كان ممنوع النظر فيما عداه من الأيام" (1) ·
ثالثًا: الاختصاص الموضوعي أو النوعي:
إن القاضي إما أن يكون عام النظر في جميع الدعاوى والخصومات في المعاملات والمناكحات والجنايات، ويشمل عمله الأمور العشرة التي عددناها في اختصاص القضاء العادي، وإما أن يكون خاص النظر في نوع معين منها، أو فئة خاصة دون غيرها، وذلك بتخصيص محكمة للحدود والقصاص والجروح (الجنايات) ، ومحكمة للنظر في المعاملات والأموال، ومحكمة للزواج والطلاق والميراث وما يتعلق بها من أحكام الأسرة، أو تخصيص بعض المحاكم للنظر في الدعوى ذات المقدار المعين من المال، وما يزيد عنه ينظر لدى محكمة أخرى، وجميع هذه الأنواع والاختصاصات كانت موجودة في الدولة الإسلامية عامة ·
قال ابن قدامة:"ويجوز أن يقلده خصوص النظر في عموم العمل، فيقول: جعلت إليك الحكم في المداينات خاصة في جميع ولايتي، ويجوز أن يجعل حكمه في قدر من المال، نحو أن يقول: احكم في المائة فما دونها، فلا ينفذ حكمه في أكثر منها، ويجوز أن يوليه عموم النظر في عموم العمل، وخصوص النظر في خصوص العمل" (2) ·
وقال أيضًا:"ويجوز أن يولي قاضيين وثلاثة في بلد واحد، يجعل لكل واحد عملًا، فيولي أحدهم عقود الأنكحة، والآخر الحكم في المداينات، وآخر في النظر في العقار، ويجوز أن يولي لكل واحد منهم عموم النظر في ناحية من نواحي البلد" (3) ·
وكان القضاة في دمشق مثلًا على المذهب الشافعي، ويعين لها قاض شافعي، فلما جاء الملك الظاهر أحدث سنة 466هـ القضاة الأربعة على المذاهب الأربعة (4) ·
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليزيد بن أخت النمر: اكفني بعض الأمور، يعني صغارها، ورد الناس عني في الدرهم والدرهمين (1) ·
كما يجوز إنشاء المحاكم في قضية معينة، وينتهي اختصاصها بانتهاء النظر فيها، كما يجري اليوم، وكما هو ثابت في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم مع عمرو بن العاص، وعقبة بن عامر الجهني، وحذيفة بن اليمان (2) ·
وإن بحث اختصاص المحكمة، أو القاضي، أو تعدد المحاكم وتنوعها، من أدق المباحث، إذ ليس له حدود مقررة، وليس له تقدير في الشرع، وإما يرجع إلى الاجتهاد والمصلحة، وتحقيق العدل، ومراعاة الأحوال والأزمان والأمكنة، وقد يدخل في بعض الأزمنة والأمكنة في ولاية القضاء مالا يدخل في غيرها، وكذا العكس، وللقاضي في الشريعة اختصاص عام إذا كانت ولايته عامة، واختصاص خاص إذا كانت ولايته خاصة محدودة، وهذا يرجع إلى الكتاب الذي يكتبه الإمام، أو المسؤول عن تعيين القضاة، للقاضي عند تقليده وتعيينه ·
ويظهر من هذا أن القضاء في الإسلام يقوم على توزيع الأعمال القضائية على عدد معين من المحاكم والقضاة، والمفصلين عن بعضهم بعضًا، وكانت المحاكم متعددة في الوقت الواحد، وفي