فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 31

وفي عهد الخليفة الأموي معاويةرضي الله عنه استحدث اختصاص النظر في الجراح، فقد ذكر الكندي أن معاوية بن أبي سفيان كتب إلى القاضي سليم بن عتر التجيبي يأمره بالنظر في الجراح، وأن يرفع ذلك إلى الديوان، فكان سليم أول قاض نظر في الجراح وحكم بها (1) ·

ويتبين لنا من ذلك وجود عدد من المحاكم في زمان واحد، وفي مكان واحد، وتختلف باختلاف أنواع التخصص زمانًا ومكانًا، وموضوعًا، وعمومًا وخصوصًا ·

أولًا: الاختصاص المكاني:

وهو تقييد القاضي بالقضاء في بلدة معينة أو ناحية منها، ولا تكون له الولاية على البلد الآخر، أو الناحية الأخرى، ويتم هذا التخصيص بتعيين عدد من المحاكم في بلد واحد، أو في بلدين مختلفين، وتحدد ولاية كل محكمة بأن تشمل بلدًا كاملًا، أو مدينة وملحقاتها، أو جزءًا من بلد معين، ويكون اختصاصها شاملًا جميع الحقوق، ولكن في مكان وإطار معينين ·

قال الماوردي:"ويجوز أن يكون القاضي عام النظر، خاص العمل، فيقلد النظر في جميع الأحكام في أحد جانبي البلد، أو في محلة منه، فتنفذ جميع أحكامه في البلد الذي قلده، والمحلة التي عينت له، وينظر بين ساكنيه وبين الطارئين إليه" (2) ·

وقال ابن قدامة:"ويجوز أن يولي قاضيًا عموم النظر في خصوص العمل، فيقلده النظر في جميع الأحكام في بلد بعينه، فينفذ حكمه فيمن سكنه، ومن أتى إليه من غير مكانه، ويجوز أن يقلده خصوص النظر في عموم العمل" (3) ·

وكان القاضي يعين للولاية الإسلامية كلها، أي القطر، أو المحافظة أو المنطقة، ويستقر في مركز القطر أو المحافظة أو الولاية، وترجع إليه السلطة القضائية فيها، ولعل منشأ هذا أن الخصومات كانت قليلة، والقضاء أشبه بالإفتاء، بالإضافة إلى حصر اختصاص القضاء عند إنشاء ديوان المظالم، والتزام الناس بالتربية والآداب الإسلامية ·

ولو قلد الإمام القاضي بلدًا، وسكت عن نواحيها، فإن جرى العرف بإبعادها عنه لم تدخل في ولايته، وإن جرى إضافتها دخلت، وقد يكون التقليد على جميع البلاد، أو على ناحية منها، كما قلد رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب قضاء اليمن، وقلد معاذ بن جبل القضاء في ناحية منها (1) ·

ويلاحظ في الاختصاص المكاني أن القاضي ينظر في دعاوى الأشخاص الذين يقطنون المنطقة المحددة له، كما ينظر دعاوى غير القاطنين فيها، إذا كانوا مارين بها، أي ينظر كل قضية تحدث أو تقع في المجال المكاني المعين، وإذا كانت الدعوى بين مقيم في المنطقة وبين آخر في منطقة أخرى، فالأصل أن يراعى في الاختصاص المكاني مكان المدعى عليه عند الحنفية والمالكية، فإن كان المدعى عليه مقيمًا في منطقة المدعى سمع منه، وإلا ردها لعدم الاختصاص، ويستثنى من قاعدة مكان إقامة المدعى عليه بعض الحالات، فتسمع في مكان إقامة المدعي، وإن كان المدعى عليه خارجها، كدعوى النفقة الزوجية، أو نفقة الحاضن، فتسمع في مكان إقامة الزوجة والحاضن، وكذا إذا كان النزاع على عقار، فتكون المحكمة المختصة هي المحكمة التي تقع في دائرتها العقار، ولو كان المدعى عليه في مكان آخر (2) ·

وقال الشافعية والحنابلة وبعض المالكية والقاضي أبو يوسف من الحنفية: يراعى مكان واختيار المدعي، لأنه إذا ترك ترك، وهو صاحب الحق في الدعوى (3) ·

ثانيًا: الاختصاص الزماني:

وذلك بوجود عدد من المحاكم تعمل كلها في وقت واحد، وفي مكان واحد، لكن مع توزيع العمل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت