واختصاص قاضي الحسبة، كما يؤخذ من تعريفها، يشمل أمرين:
الأول: الأمر بالمعروف فيما يتعلق بحقوق الله تعالى، والنظام العام، وحق المجتمع، أو الأمة، وحقوق الآدميين، والحقوق المشتركة بينهما ·
الثاني: النهي عن المنكر، سواء كانت المنكرات تتعلق بحقوق الله تعالى، أو بحقوق الآدميين، أو الحقوق المشتركة بين الحقين (1) ·
ويضاف إلى هذه المحاكم محكمة قاضي العسكر التي وجدت في العصور المتأخرة في الدولة الإسلامية، وهي التي تفصل في خصومات الجند، وهي وظيفة دينية جليلة قديمة، وإن قضاة العسكر أربعة، كل واحد من مذهب (2) ·
وقد تعددت محاكم القضاء العادي خاصة، وانقسمت إلى عدة محاكم بحسب الاختصاص القضائي الذي قرره الفقهاء، وطبقه الخلفاء والحكام، كما سنبينه بإيجاز ·
الاختصاص القضائي:
يقوم الاختصاص القضائي على أساس توزيع القضايا والمشاكل والمنازعات على عدد من المحاكم التي تعمل في وقت واحد، وتختص كل محكمة بأنواع معينة من المنازعات ·
وتختلف اعتبارات هذا التوزيع الذي يقوم عليه اختصاص المحاكم، فقد يكون التوزيع أصلًا بحسب المؤسسات القضائية التي تتحمل عبء التنظيم القضائي، ومن هنا تنقسم الأعمال القضائية - في الأصل - على أنواع المحاكم السابقة، وهي محاكم القضاء العادي، ومحاكم قضاء المظالم، ومحاكم قضاء الحسبة، ومحاكم قضاء العسكر ·
وقد يكون الاختصاص القضائي يعتمد في كل نوع من أنواع القضاء على الزمان، أو على المكان، أو على أنواع الحقوق المتنازع فيها، ومن هنا ظهر الاختصاص المكاني، والاختصاص الزماني، والاختصاص النوعي أو الموضوعي، قبل محاكم الأسرة، أو محاكم الأحوال الشخصية، ومحاكم الجنايات، والمحاكم الجزائية، ومحاكم المعاملات أو الأموال، ومحاكم العقارات، ومحاكم الوقف ·
وفكرة الاختصاص في أصلها تقوم على تعدد المحاكم في البلد الواحد والزمان الواحد ·
والمحكمة هي مكان جلوس القاضي للنظر في الخلاف الناشىء بين الناس، وتعرف في الفقه الإسلامي بمجلس القضاء، وذكر الفقهاء آدابًا كثيرة تتعلق بمجلس القضاء، لا مجال لذكرها هنا ·
المحكمة الشرعية:
ويقوم النظام القضائي في الإسلام - في الأصل - على وحدة المرجع القضائي، فكان القاضي المسلم، وهو ما يعرف اليوم بقاضي الشرع، أو المحكمة الشرعية، هي المرجع الوحيد للفصل في جميع المنازعات التي تحدث بين الناس، بغض النظر عن موضوع الدعوى وأطرافها، فينظر القاضي الشرعي بصورة نهائية في كل الخلافات التي تتعلق بالأسرة، والمال والحقوق، والتصرفات بين الناس، وفي الحدود والقصاص والتعزير التي يجمعها اصطلاح الجنايات، وبتعبير آخر تختص المحكمة الشرعية بكل الأحكام الشرعية ·
وفي الصدر الأول من تاريخ الإسلام اقتصر القضاة غالبًا على فصل المنازعات المدنية والمالية، دون الدخول في الجراح والجنايات، وكان النظر في الحدود والقصاص والجروح محصورًا بالخليفه أو الوالي لأهميتها (1) ، وكان قرار التعيين يبين للقاضي مجال تخصصه، ففي بعض الأحيان يقتصر عمله على الفصل في قضايا الزواج والأنكحة، وأحيانًا يتحدد في البت في مسائل المعاملات، ثم يفوض النظر في الجنايات إلى قاض آخر، وقد يعين الإمام أو الوالي عددًا من القضاة في بلد واحد، مع تخصيص كل منهم في نوع معين من الخصومات، أو في زمن معين من النهار، أو في مكان معين من البلد، كما يجوز أن تكون ولاية القاضي مقصورة على حكومة معينة بين خصمين