الصفحة 24 من 118

ونقل عن الكاردينال لافيجري أنه قال في مؤتمر للتنصير في بلاد القبائل عام (1867) : « إن رسالتنا تتمثل في أن ندمج البربر في حضارتنا التي كانت هي حضارة آبائهم، ينبغي وضع حد لإقامة هولاء البربر في قرآنهم، لا بد أن تعطيهم فرنسا الإنجيل، أو ترسلهم إلى الصحراء القاحلة بعيدا عن العالم المتمدن» .

وقد لاحظ الدكتور أبو القاسم سعد الله أن الفرنسيين قد غيروا حتى المصطلحات بعد مجاهرتهم بتسييس القضية وعزمهم على نشر التفرقة بين أهل الجزائر، فأصبحوا يستعلمون لفظ القبائل بدل زواوة، ولفظ القبائلية بدل البربرية.

ولقد كانت سياسة التفرقة بين العرب والقبائل جزءا لا يتجزأ من سياسة الحرب على الإسلام والعربية في الجزائر، تلك الحرب التي قادها المنصرون والمستشرقون والإعلاميون، وقد رأيت من سموم التفرقة والعنصرية ما كان يبث في الكتب المدرسية التي كانت تدرس اللغة الدارجة العامية آنذاك، كحكايات العربي والزواوي، وحتى جحا لم يسلم من تلك النعرة حتى قسم إلى جحا العربي وحجا القبايلي، وفي بعض النوادر يظهر جحا الفرنسي أيضا!!

من اللغة والثقافة إلى الجنس والعرق

ولم يكف الفرنسيين أنهم شحنوا من تكوَّن بين أيديهم بفكرة التميز اللغوي والثقافي للمنطقة عن الثقافة العربية الإسلامية، حتى راحوا يشككون حتى في الأصول العرقية لأهل زواوة، فبعد أن كان المؤرخون مختلفين في الجملة على قولين في أصول البربر هل هي حميرية يمنية أو كنعانية فلسطينية؟ وذلك باعتبار أن منطقة الشرق هي مهد الحضارات كلها، جاء الفرنسيون بقول جديد يخص أهل زواوة -وهم من قبيلة صنهاجة البربرية - يزعم أن أصولهم آرية جرمانية بحجة تضحك الثكالى وهي وجود من له بشرة شقراء وأعين زرقاء!! وكأنهم بذلك يزعمون أن أهل زواوة ليسوا من البربر وأن أصلهم هم الوندال الذين غزو بلاد البربر في القرن الخامس الميلادي!! مثلهم مثل العرب والأتراك القادمين من الشرق والفرنسيين والإسبان القادمين من أوروبا.

ولا بأس أن نذكر هنا بأمر مهم وهو أن المجلة الإفريقية الفرنسية الصادرة سنة 1859 نشرت مقالا للمترجم العسكري"ألفونس مايير"تحت عنوان"أصل سكان بلاد القبائل حسب العرف المحلي"اعتمد فيه على شهادات شيوخ المنطقة وقد بين أنهم يعتقدون أن أصلهم من العرب ما عدا قبيلة فراوسن التي قالوا إنها فارسية!!

ولما أعلنت فرنسا عن استراتجيتها وأطلقت دعاويها وجدت-مع الأسف الشديد-من أبناء الجزائر من يصدقها، بل ومن يتحمس لنشرها والدعوة إليها ونصرتها، وخاصة من الشيوعيين الذين كانوا يؤمنون بأن الأمة الجزائرية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت