ولِدَ الشافعي في أسرة فقيرة جدًا، وبعد ولادته بعامين توفي أبوه فقررت أمه العودة بابنها محمد من غزة في فلسطين إلى مكة لأنه قرشي حتى لا يضيع نسبه ولأن له سهم من ذوي القربى.
ولكن هذا المال الذي كانت تأخذه من سهم ذوي القربى كان قليلًا وقليلًا جدًا، فعانت هي ووليدها محمد حرمانًا وفقرًا , ولكن الأم كانت قوية الشخصية راسخة الإيمان، على جانب من العلم والحفظ، فأرادت لولدها أن يتعلم و يحفظ فدفعت به إلى مكان في مكة يقرئ الصبيان ,ولكن الأم لم تجد مالًا يكفي لأجر المعلم، فكان الشيخ المقرئ يهمل ويقصِّر في تعليم الصبي المتعطِّش إلى العلم والمعرفة ولكن كان المعلم إذا علَّم الصبيان شيئًا، تلقَّف الشافعي ذلك الكلام ثم إذا قام المعلم من مكانه ليقضي شأنه أخذ محمد مكانه وراح يعلم الصبيان تلك الأشياء.
ورآه المعلم يفعل ذلك، فارتاحت نفسه و نظر إلى أنَّ الشافعي يكفيه من أمر الصبيان أكثر من الأجرة التي يريدها بها منه فترك طلب الأجرة واستمرت هذه الحال مع الشافعي حتى حفظ القرآن وهو دون العاشرة من عمره ومنهم من قال و هو ابن سبع سنين.
تعقيب لابد منه: حول اتخاذ مالًا لقاء تعليم القرآن أو أي علم شرعي:
أ إذا كان المعلم للعلم الشرعي متفرغًا للتعليم الشرعي:
من وجهة النظر الشرعية يحق للمعلم طلب مبلغ من المال من الطلاب لقاء تعليمهم العلم الشرعي ولكن من الأفضل أن لا يأخذ شيء من طلاب العلم وخصوصًا إذا كان ميسورا الحال.
ويجب أن لا يتحوّل العلم الشرعي وأساتذته إلى تجار يبتغون عرض الدنيا ومتاع الدنيا على حساب العلم الشرعي وتعليمه, فلقد كان لنا الأسوة الحسنة برسولنا الكريم وأصحابه الكرام وآل بيته الطاهرين فلم نسمع حسب المصادر التاريخية الموجودة أنّ الصحابة أو العلماء الثقات كانوا يأخذون مالًا لقاء تعليمه العلم الشرعي, بل على العكس علماؤنا الأولون هم الّذين كانوا ينفقون على طلاب العلم ويجعلون صدقاتهم إليهم كما كان يفعل الإمام مالك رضي الله عنه, فيجب أن نقدم للإسلام ويجب علينا أن نضحي في سبيل الله.
ب إذا كان المعلم للعلم الشرعي غير متفرغًا للتعليم الشرعي:
كأن يكون طبيبًا أو مهندسًا أو معلمًا وإلى جانب ذلك يكون معلمًا للقرآن الكريم في أحد المساجد أو غيرها .... في هذه الحالة من المفضل أن لا يأخذ أي أجر لقاء تعليمه العلم الشرعي والله خير الرازقين ليحصل بذلك على عظيم الأجر من الله تعالى , ولكي لا تتحول نيته من نية المعلم لدين الله إلى معلم يطلب المال لقاء تعليمه العلم الشرعي .... والله أعلم.
أساتذة الشافعي:
أخذ الشافعي العلم عن نخبة من العلماء ومن شتى الأمصار وسوف يتضح لنا ذلك فيما يلي:
من مكة الشريفة: أخذ العلم ببلده عن مسلم بن خالد الزنجي مفتي مكة وداود ابن عبد الرحمن العطار وعمه محمد بن علي بن شافع فهو ابن عم العباس جد الشافعي وسفيان بن عيينة وعبد الرحمن بن أبي بكر المليكي وسعيد بن سالم و فضيل بن عياض.