الصفحة 8 من 18

وتقول عائشة رضي الله عنها وعن الصحابة أجمعين: [ما شبع آل محمد منذ قدم المدينة من طعام البر ثلاث ليال تباعًا حتى قبض] (متفق عليه) .. والبر هو القمح.

وقالت أيضًا رضي الله عنها: [ما شبع آل محمد يومين من خبز بر إلا وأحدهما تمر] (متفق عليه) .

وقالت أيضًا: [إن كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال .. ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقدت في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار] (متفق عليه) .

ومع تلك الحال التي كان عليها رسول الله وأصحابه فإننا نقرأ ثناء الله عليهم، ورضاه عنهم، ومحبته لهم، ونعلم يقينًا أن ذلك كان المجتمع الصالح، بل المجتمع المثالي، الذي لم يوجد في الأرض خير منه لا قبله ولا بعده، تصديقًا لقوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} ، وقوله صلى الله عليه وسلم: [خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم] (رواه البخاري) .

ويمن الله سبحانه وتعالى على هذه الأمة الصالحة فيفتح لها أبواب العالم ومغاليق القلوب، وكنوز الأرض .. فتجبى إليها الثمرات من كل أرض، ويخافها أهل الأرض جميعًا الأحمر والأبيض والأسود، ويأمن الناس في رحابها حتى تخرج المرأة من بصرى الشام إلى صنعاء اليمن وحدها لا تخاف إلا الله، ويفيض المال في يدها فلا يقبله أحد!!

وتقوم هذه الأمة بدعوة الله في الأرض فيحقق الله فيها وعده {وعد الله الذين آمنوا منكم وعلموا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا يعبدونني لا يشركون بي شيئًا} (النور:55)

ولكن الأمة يتقادم بها العهد فتنسى كثيرًا مما ذكرت به وتتفرق بأبنائها السبل، وتتبع سنن من كان قبلهم في الطغيان والتجبر، والإفراط والتفريط، والبعد عن عقيدة الإسلام وشريعته، فيحل بها أيضًا ما يحل بالأمم السابقة من تسليط أعدائها عليها، وهلاك بعضها ببعض، ولا تزال إلى اليوم تقرعها كل يوم قارعة .. وتفقد كل صباح جزءًا مما كان بيدها بالأمس.

وها نحن أبناء هذه الأمة نجابه الواقع الأليم الذي نعيشه، ولا يحتاج منا إلى كثير شرح وبيان، والكل منا يحياه ويراه، وإن كان بعضنا أشد إحساسًا بوطأته من بعض ..

نعيش فرقة شديدة مزقت أمة الإسلام شيعًا وأحزابًا ودولًا وممالك قام بينها التناحر والخلاف والشقاق، وسفك الدماء وانتهاك الأعراض، ومن خلال هذا الخلاف دخل العدو الكافر، وحدث الفساد الكبير الذي حذرنا الله منه بقوله تعالى: إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت