الصفحة 7 من 18

وبالرغم من أنهم بنوا الكنائس العظيمة والأديرة الأنيقة الجميلة، وجعلوا للدين أعظم الإتاوات والمخصصات، وأنزلوا رهبانهم وعلماء دينهم منازل القادة والعظماء، وأججوا الحروب التي سموها مقدسة، ففتحوا العالم شرقًا وغربًا حتى أصبحت رومًا كعبة العالم، وأم القرى في زمانها، حتى قال الناس (كل الطرق تؤدي إلى روما) .. ونشروا النصرانية الضالة في أوروبا وشمال أفريقيا وغرب آسيا حتى أصبح البحر الأبيض بحيرة رومية نصرانية.

أقول: وبالرغم من كل ذلك إلا أن الله سبحانه وتعالى استغنى عن خدماتهم، ولم يأبه لجهادهم وجهودهم، بل حكم عليهم بالضلال والكفر لغلوهم في عيسى واستحلالهم المحرمات، واستعبادهم الشعوب الضعيفة، وجعلهم الدين كهانة وميراثًا، ولذلك لم تكن أمة النصارى بعد صدرها الأول أمة صالحة، ولا كان رجالها رجالًا صالحين بمفهوم الصلاح الذي يحبه الله ويرضاه، وفي ذلك يقول صلى الله عليه وسلم: [إن الله نظر قبل مبعثي إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب] (رواه مسلم وأحمد) .

وهؤلاء البقايا الذين عناهم النبي صلى الله عليه وسلم كانوا رهبانًا في الفلوات لا يأبه أحدهم لوجودهم ولا يهتم أحد برأيهم .. في وقت كانت نصرانية الشرك في أوجها وعظمتها.

واستخلف الله من بعد ذلك رسولًا من العرب، وقد كانوا ذاك الوقت أفقر العالمين دارًا، وأقل الناس أمنًا وقرارًا .. فقد كانوا إما تجارًا يجوبون الأرض بين الشام واليمن، أو بدوا رحلًا يجوبون الجزيرة وراء العشب والمطر، وبدأت الأمة الجديدة الصالحة التي اختارها الله لرسالتها الخاتمة تخرج من بين صخور هذه الصحراء، وتُبنى في سهولها ووديانها، ويتبع دين الله حر وعبد وامرأة وصبي، يلوذون بالحبشة تارة، لأن فيها ملكًا لا يستباح جواره، وبأهلهم من الكفر تارة، ثم يتوجهون إلى المدينة فيبنون عريشًا لا يقيهم المطر، وينامون ويقومون في السلاح من الخوف وقد تربص الأعداء بهم من كل صوب.

يقول أبو سعيد الخدري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم: [استهلت السماء في ليلة إحدي وعشرين يعني من شهر رمضان فوكف المسجد في مصلى النبي صلى الله عليه وسلم، فبصرت عيني نظرت إليه صلى الله عليه وسلم انصرف من الصبح ووجه ممتلئ طينًا وماءًا] (متفق عليه)

ويقول أبو هريرة: [ولقد رأيتنا في صفة مسجد رسول الله نحوًا من سبعين، ما منا من له إزار ورداء جميعًا] (رواه أبو داود والنسائي وغيرهم)

وقال جابر بن عبدالله الأنصاري: [ومن منا كان يجد ثوبين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟] (رواه البخاري) . أي أن عامتهم لم يكن لأحدهم إلا ثوب واحد إما إزار فقط، وإما رداء فقط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت