ومع ذلك فإن الشعوب التي حملت الإسلام بعد ذلك كان لكثير منها بلاء عظيم في حمل الرسالة ونشر الإسلام، ولكن هذا الهدف الأسمى، والغاية العظمى قد نافستها في أرضنا غايات تافهة تحولت بها الأمة إلى أمم، فقد زاحمت هذه الغاية غايات دنيوية هزيلة، وذلك بعد أن قسمت بلاد المسلمين إلى دويلات صغيرة، وقام في كل إقليم منها حكم ضعيف أصبح همه أن يحمي كرسيه فأصبحت غايته أن يرتقي بشعبه في سلم الماديات والحياة، فيعيش الناس في مساكن جميلة وشوارع نظيفة، وحدائق غناء، وفي سبيل ذلك نسى الهدف الأسمى للأمة، والغاية العظمى التي أخرجت من أجلها. قال تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} (آل عمران:110) .
وإذا كان الناس في عمومهم على دين ملوكهم .. فإن غاية الحكام أصبحت غاية للشعوب والأفراد أيضًا .. فتجد الفرد منهم يقضي نهاره شطرًا من ليله سعيًا في هذه الدنيا، وكدحًا فيها، واستمتاعًا بها، وليس وراء ذلك من شيء!! وأصبحنا بذلك على حال يهرم عليها الكبير ويشب عليها الصغير، فما يكاد الوليد فينا يعقل حتى يكون أول درس نلقنه إياه: ماذا ستكون؟؟ .. طبيبًا أو مهندسًا أو طيارًا؟؟ وفي سبيل ذلك نمنعه الصلاة إن كانت معطلة له عن الهدف الذي رسمناه له، ونزجره عن الدين خوفًا عليه من القصور أو التقصير في حياته الدنيا.
وباختصار لقد ضاع الهدف الذي كان لنا حيث كنا أمة لها رسالة وغاية في الوجود، وضاع منا الهدف أيضًا كأفراد خلقوا لغاية، واستخلفوا في الأرض لعبادة ربهم وخالقهم .. وعلاج هذه المشكلة أن نعود من جديد إلى أول الطريق، ونمسك مرة ثانية بطرف الحبل، فنوجه الأفراد الوجهة التي خلقهم الله من أجلها، ونعلن في الأمة الغاية التي أخرجهم الله لها لتكون خير أمة أخرجت للناس.
ثانيًا: التفرق والخلاف هو الذي أذهب ريح هذه الأمة
المشكلة الثانية التي يواجهها مجتمعنا وأمتنا .. هي التفرق والاختلاف، وذلك لضياع الهدف أولًا ثم لضياع حقيقة الدين أو بالأحرى للاختلاف على حقيقة الدين الذي يريد الله منا .. ونعني بحقيقة الدين، نموذجه الأسمى، وصورته الصحيحة، فعقيدة التوحيد التي لا يقبل الله أحدًا دون أن يعتقدها قد أصبح عليها جدل طويل .. فحقيقة الألوهية والربوبية وأصول الإيمان، كل ذلك وقع فيه بين المسلمين خلاف يفرقهم إلى مسلم وكافر، وموحد ومشرك، ومتبع ومبتدع.
وحقيقة الشريعة كذلك أضحى فيها الخلاف بين المسلمين ليس في فرعيات بعينها فقط، بل أيضًا وفي الأصول التي يرجع إليها عند الاختلاف، فالمسلمون اليوم بين متبع يرى لزامًا عليه اتباع الكتاب والسنة، وكذلك رد كل خلاف إليهما، وملفق يستبيح لنفسه تلفيق دينه من الإسلام ومن غير الإسلام، ومناهج التربية والتهذيب .. امتد إليها الاختلاف والتفرق، فنشأت التربية الصوفية بكل ما جرت على المسلمين من ويلات الانحراف عن العقيدة الخالصة، والانزواء عن مقارعة