وعند المالكيّة لا يجب عليها حيث بقي عذرها بحيث لا يمكنها الإتيان به قبل الوقوف بعرفة ، وإذا حاضت المرأة قبل طواف الإفاضة ، فإنّها تبقى على إحرامها حتّى تطهر ثمّ تطوف . فإن طافت وهي حائض فلا يصحّ طوافها عند الجمهور - المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة - وذهب الحنفيّة إلى صحّته مع الكراهة التّحريميّة ، لأنّ الطّهارة له واجبة ، وهي غير طاهرة ، وتأثم وعليها بدنة .
واتّفق الفقهاء على أنّ للحائض أن تنفر بلا طواف وداع ، تخفيفًا عليها لحديث عائشة رضي الله عنها « أنّ صفيّة رضي الله عنها حاضت فأمرها النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن تنصرف بلا وداع » . وعن طاوس قال: « كنت مع ابن عبّاس إذ قال زيد بن ثابت: تفتي أن تصدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت . فقال له ابن عبّاس: أما لا . فسل فلانة الأنصاريّة ، هل أمرها بذلك رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ؟ قال: فرجع زيد بن ثابت إلى ابن عبّاس يضحك ، وهو يقول: ما أراك إلاّ قد صدقت » .
وقد صرّح الشّافعيّة والحنابلة بأنّها إن طهرت قبل مفارقة بنيان مكّة لزمها العود فتغتسل وتطوف ، فإن لم تفعل فعليها دم بخلاف ما إذا طهرت خارج مكّة فلا شيء عليها .
وتفصيل ذلك في مصطلح: ( حجّ ) .
سادسًا: - أ - قراءة القرآن:
39 -اختلف الفقهاء في حكم قراءة الحائض للقرآن ، فذهب جمهور الفقهاء - الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة - إلى حرمة قراءتها للقرآن لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم « لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن » . وهناك تفصيلات بيانها فيما يلي:
فمذهب الحنفيّة حرمة قراءتها للقرآن ولو دون آية من المركّبات لا المفردات ، وذلك إذا قصدت القراءة ، فإن لم تقصد القراءة بل قصدت الثّناء أو الذّكر فلا بأس به .
قال ابن عابدين: فلو قرأت الفاتحة على وجه الدّعاء ، أو شيئًا من الآيات الّتي فيها معنى الدّعاء ، ولم ترد القراءة لا بأس به ، وصرّحوا أنّ ما ليس فيه معنى الدّعاء كسورة المسد، لا تؤثّر فيه نيّة الدّعاء فيحرم ، وقد أجازوا للمعلّمة الحائض تعليم القرآن كلمةً كلمةً ، وذلك بأن تقطّع بين كلّ كلمتين ، لأنّها لا تعدّ بالكلمة قارئةً . كما أجازوا للحائض أن تتهجّى بالقرآن حرفًا حرفًا ، أو كلمةً كلمةً مع القطع ، من غير كراهة ، وكرهوا لها قراءة ما نسخت تلاوته من القرآن ، ولا يكره لها قراءة القنوت ، ولا سائر الأذكار والدّعوات . ومذهب الشّافعيّة حرمة قراءة القرآن للحائض ولو بعض آية ، كحرف للإخلال بالتّعظيم سواء أقصدت مع ذلك غيرها أم لا ، وصرّحوا بجواز إجراء القرآن على قلبها من غير تحريك اللّسان ، وجواز النّظر في المصحف ، وإمرار ما فيه في القلب ، وكذا تحريك لسانها وهمسها بحيث لا تسمع نفسها ، لأنّها ليست بقراءة قرآن . ويجوز لها قراءة ما نسخت تلاوته . ومذهب الحنابلة أنّه يحرم عليها قراءة آية فصاعدًا ، ولا يحرم عليها قراءة بعض آية ، لأنّه لا إعجاز فيه ، وذلك ما لم تكن طويلةً ، كما لا يحرم عليها تكرير بعض آية ما لم تتحيّل على القراءة فتحرم عليها . ولها تهجية آي القرآن لأنّه ليس بقراءة له ، ولها التّفكّر فيه وتحريك شفتيها به ما لم تبيّن الحروف ، ولها قراءة أبعاض آية متوالية ، أو آيات سكتت بينها سكوتًا طويلًا . ولها قول ما وافق القرآن ولم تقصده ، كالبسملة ، وقول الحمد للّه ربّ العالمين ، وكآية الاسترجاع { إنَّا لِلَّهِ وإنَّا إليهِ رَاجِعُون } وآية الرّكوب ، ولها أيضًا أن يقرأ عليها وهي ساكتة ، لأنّها في هذه الحالة لا تنسب إلى القراءة ، ولها أن تذكر اللّه تعالى ، واختار ابن تيميّة أنّه يباح للحائض أن تقرأ القرآن إذا خافت نسيانه ، بل يجب لأنّ ما لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجب .
وذهب المالكيّة إلى أنّ الحائض يجوز لها قراءة القرآن في حال استرسال الدّم مطلقًا ، كانت جنبًا أم لا ، خافت النّسيان أم لا . وأمّا إذا انقطع حيضها ، فلا تجوز لها القراءة حتّى تغتسل جنبًا كانت أم لا ، إلاّ أن تخاف النّسيان . هذا هو المعتمد عندهم ، لأنّها قادرة على التّطهّر في هذه الحالة ، وهناك قول ضعيف هو أنّ المرأة إذا انقطع حيضها جاز لها القراءة إن لم تكن جنبًا قبل الحيض . فإن كانت جنبًا قبله فلا تجوز لها القراءة .
ب - مسّ المصحف وحمله:
40 -اتّفق الفقهاء على أنّه يحرم على الحائض مسّ المصحف من حيث الجملة لقوله تعالى: { لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ } ولما روى عبد اللّه بن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جدّه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « كتب إلى أهل اليمن كتابًا ، وكان فيه: لا يمسّ القرآن إلاّ طاهر » واستثنى المالكيّة من ذلك المعلّمة والمتعلّمة فإنّه يجوز لهما مسّ المصحف . وهناك تفصيلات في بعض المذاهب تنظر في مصطلح: ( مصحف ) .
يرى المالكيّة أنّه يجوز للمرأة الحائض الّتي تتعلّم القرآن , أو تعلّمه حال التّعليم مسّ المصحف سواء كان كاملًا أو جزءًا منه أو اللّوح الّذي كتب فيه القرآن , قال بعضهم: وليس ذلك للجنب , لأنّ رفع حدثه بيده ولا يشق , كالوضوء , بخلاف الحائض فإنّ رفع حدثها ليس بيدها , لكنّ المعتمد عندهم أنّ الجنب رجلًا كان أو امرأةً , صغيرًا كان أو بالغًا يجوز له المس والحمل حال التّعلم والتّعليم للمشقّة .
وسواء كانت الحاجة إلى المصحف للمطالعة , أو كانت للتّذكر بنيّة الحفظ .
دخول المسجد: