وصرّح الحنفيّة بأنّ للمتمتّع إن شاء أن يسوق الهدي - وهو أفضل - وفي هذه الحالة إذا دخل مكّة طاف وسعى للعمرة ولا يتحلّل ، ثمّ يحرم بالحجّ يوم التّروية أو قبله كما يحرم أهل مكّة . لقوله صلى الله عليه وسلم: « لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة وتحلّلت منها » وهذا ينفي التّحلّل عند سوق الهدي فإذا حلق يوم النّحر حلّ من الإحرامين وذبح دم التّمتّع .
وعدم التّحلّل لمن يسوق الهدي هو مذهب الحنابلة أيضًا في المشهور عندهم .
لما روي عن ابن عمر رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « من كان منكم أهدى فإنّه لا يحلّ من شيء منه حتّى يقضي حجّه » .
وجوب الهدي في التّمتّع:
16 -اتّفق الفقهاء على أنّه يجب الهدي على المتمتّع وذلك بنصّ القرآن الكريم .
قال تعالى: { فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ }
والهدي الواجب شاة أو بقرة أو بعير أو سبع البقرة أو البعير عند جمهور الفقهاء .
وقال مالك هو بدنة ولا يصحّ سبع بعير أو بقرة .
ووقت وجوبه إحرامه بالحجّ عند جمهور الفقهاء من الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة وهو المشهور عند المالكيّة . وفي رواية عندهم وقت وجوبه الوقت الّذي يتعيّن فيه نحره . ووقت ذبحه وإخراجه يوم النّحر عند الجمهور ، ويجوز ذبحه بعد أعمال العمرة ولو قبل الإحرام بالحجّ في الأصحّ عند الشّافعيّة ، وهو الصّحيح عند المالكيّة .
وفي رواية عن أحمد أنّه إن قدّم المتمتّع الهدي قبل العشر طاف وسعى ونحر هديه ، وإن قدّم في العشر لم ينحر إلا يوم النّحر . وللتّفصيل انظر مصطلح: ( هدي ) .
بدل الهدي:
17 -اتّفق الفقهاء على أنّ المتمتّع إذا لم يجد الهدي بأن فقده أو ثمنه أو وجده بأكثر من ثمن مثله ، ينتقل إلى صيام ثلاثة أيّام في الحجّ ، وسبعة إذا رجع ، وذلك لقوله تعالى:
{ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ في الحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ تِلكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ } .
وتعتبر القدرة في موضعه ، فمتى عدمه في موضعه جاز له الانتقال إلى الصّيام وإن كان قادرا على الهدي في بلده .
هذا ولا يلزم التّتابع في الصّيام بدل الهدي عند الفقهاء . قال ابن قدامة: لا نعلم فيه مخالفًا. ويندب تتابع الثّلاثة ، وكذا السّبعة عند بعض الفقهاء منهم الشّافعيّة .
وقت الصّيام ومكانه:
أوّلًا - صيام الأيّام الثّلاثة:
18 -جمهور الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة على أنّ الوقت المختار لصيام الثّلاثة هو أن يصومها ما بين إحرامه بالحجّ ويوم عرفة ، ويكون آخر أيّامها يوم عرفة ، وعلى ذلك يستحبّ له تقديم الإحرام بالحجّ قبل يوم التّروية ليكمل الثّلاثة يوم عرفة ، لأنّ الصّوم بدل الهدي فيستحبّ تأخيره إلى آخر وقته رجاء أن يقدر على الأصل .
ويستحبّ عند الشّافعيّة أن يكون الثّلاثة قبل يوم عرفة ، لأنّ صوم يوم عرفة بعرفة غير مستحبّ . ولا يجوز تقديم الثّلاثة أو يوم منها على الإحرام بالحجّ عند المالكيّة والشّافعيّة ، وهو قول زفر من الحنفيّة لقوله تعالى: { فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أيَّامٍ في الحَجِّ } ولأنّ الصّوم عبادة بدنيّة فلا يجوز تقديمها على وقت وجوبها كسائر الصّيام الواجب ، ولأنّ ما قبله لا يجوز فيه الدّم فلم يجز بدله .
وذهب الحنفيّة والحنابلة إلى جواز تقديم الثّلاثة على الإحرام بالحجّ بعد الإحرام بالعمرة ، وفي رواية عن أحمد إذا حلّ من العمرة .
والدّليل على ذلك أنّ إحرام العمرة أحد إحرامي التّمتّع فجاز الصّوم بعده كإحرام الحجّ .
وأمّا قوله تعالى: { فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أيَّامٍ في الحَجِّ } فالمراد به وقته أو أشهر الحجّ ، لأنّ نفس الحجّ - وهي أفعال معلومة - لا يصلح أن يكون ظرفا لفعل آخر وهو الصّوم .
وأمّا تقديم الصّوم على إحرام العمرة فلا يجوز اتّفاقا لعدم وجود السّبب .
وإن فاته الصّوم حتّى أتى يوم النّحر صام أيّام منى عند المالكيّة - وهو الظّاهر عند الحنابلة - وقال الشّافعيّة: وهو رواية أخرى عند الحنابلة يصومها بعد أيّام التّشريق ، لأنّه صوم مؤقّت فيقضى ، والأظهر عندهم أن يفرّق في قضائها بينها وبين السّبعة بقدر أربعة أيّام
-يوم النّحر وأيّام التّشريق - ومدّة إمكان السّير إلى أهله على العادة الغالبة .
وقال الحنفيّة: لا يجزئه إلّا الدّم ، لنهي النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن الصّوم في هذه الأيّام ، ولأنّ الصّوم بدل عن الهدي ولا نظير له في الشّرع ، ولأنّ الإبدال ثبت شرعا على خلاف القياس ، لأنّه لا مماثلة بين الدّم والصّوم فلا يثبت إلا بإثبات الشّارع ، والنّصّ خصّه بوقت الحجّ ، فإذا فات وقته فات هو أيضا فيظهر حكم الأصل وهو الدّم على ما كان .
ثانيًا - صيام الأيّام السّبعة:
19 -يصوم المتمتّع سبعة أيّام إذا رجع من الحجّ ليكمل العشرة ، لقوله تعالى: { وَسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ } ، والأفضل أن يصوم السّبعة بعد رجوعه إلى أهله ، لما روى ابن عمر أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيّام في الحجّ وسبعة إذا رجع إلى أهله » ويجوز صيامها بمكّة بعد فراغه من الحجّ عند جمهور الفقهاء - الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة - وهو قول عند الشّافعيّة ، إذ المراد من الرّجوع الفراغ من الحجّ ، لأنّه سبب الرّجوع إلى أهله ، فكان الأداء بعد السّبب .
وقال الشّافعيّة في الأظهر: لا يجوز صيامها إلا بعد الرّجوع إلى وطنه وأهله لقوله تعالى: { وَسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ } ، فلا يجوز صومها في الطّريق أو في مكّة إلا إذا أراد الإقامة بها .