فهرس الكتاب

الصفحة 602 من 2053

أمّا هو صلى الله عليه وسلم فمرحوم قطعًا ، فيكون من باب تحصيل الحاصل ، وقد استغنينا عن هذه بالصّلاة ، فلا حاجة إليها ، ولأنّه يجلّ مقامه عن الدّعاء بها .

قال ابن دحية: ينبغي لمن ذكره صلى الله عليه وسلم أن يصلّي عليه ، ولا يجوز أن يترحّم عليه ، لقوله تعالى: { لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًَا } .

ونقل مثله عن ابن عبد البرّ ، والصّيدلانيّ ، كما حكاه عنه الرّافعيّ ولم يتعقّبه .

وصرّح أبو زرعة ابن الحافظ العراقيّ في فتاواه ، بأنّ المنع أرجح لضعف الأحاديث الّتي استند إليها ، فيفهم من قوله: حرمته مطلقًا .

وذهب بعض الفقهاء إلى الجواز مطلقًا: أي ولو بدون انضمام صلاة أو سلام .

واستدلّوا بقول الأعرابيّ فيما رواه البخاريّ وهو قوله: « اللّهمّ ارحمني ، وارحم محمّدًا ، ولا ترحم معنا أحدًا لتقريره صلى الله عليه وسلم على قوله: اللّهمّ ارحمني وارحم محمّدًا ، ولم ينكر عليه سوى قوله: ولا ترحم معنا أحدًا » .

وقال السّرخسيّ: لا بأس بالتّرحّم على النّبيّ صلى الله عليه وسلم ، لأنّ الأثر ورد به من طريق أبي هريرة وابن عبّاس رضي الله عنهم ، ولأنّ أحدًا وإن جلّ قدره لا يستغني عن رحمة اللّه . كما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: « لن يدخل أحدًا عمله الجنّة ، قالوا: ولا أنت يا رسول اللّه ؟ قال: ولا أنا إلاّ أن يتغمّدني اللّه برحمته » .

ولأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان من أشوق العبّاد إلى مزيد رحمة اللّه تعالى ، ومعناها معنى الصّلاة ، فلم يوجد ما يمنع ذلك . ولا ينافي الدّعاء له بالرّحمة أنّه عليه الصلاة والسلام عَيْنُ الرّحمة بنصّ: { ومَا أَرْسَلْنَاكَ إلاّ رَحْمَةً لِلعَالَمِين } لأنّ حصول ذلك لا يمنع طلب الزّيادة له ، إذ فضل اللّه لا يتناهى ، والكامل يقبل الكمال .

وفصّل بعض المتأخّرين ، فقال بالحرمة إنّ ذكرها استقلالًا: كأن يقول المتكلّم: قال النّبيّ رحمه الله . وبالجواز إن ذكرها تبعًا: أي مضمومةً إلى الصّلاة والسّلام ، فيجوز: اللّهمّ صلّ على محمّد وارحم محمّدًا . ولا يجوز: ارحم محمّدًا ، بدون الصّلاة ، لأنّها وردت في الأحاديث الّتي وردت فيها على سبيل التّبعيّة للصّلاة والبركة ، ولم يرد ما يدلّ على وقوعها مفردةً ، وربّ شيء يجوز تبعًا ، لا استقلالًا .

وبه أخذ جمع من العلماء ، بل نقله القاضي عن الجمهور ، وقال القرطبيّ: وهو الصّحيح .

د - التّرحّم على الصّحابة رضي الله عنهم والتّابعين ومن بعدهم من الأخيار:

8 -اختلف الفقهاء في جواز التّرحّم على الصّحابة ، فذهب بعضهم إلى أنّه عند ذكر الصّحابة الأولى أن يقال: رضي اللّه عنهم .

وأمّا عند ذكر التّابعين ومن بعدهم من العلماء ، والعبّاد ،وسائر الأخيار فيقال: رحمهم اللّه. قال الزّيلعيّ: الأولى أن يدعو للصّحابة بالرّضى ، وللتّابعين بالرّحمة ، ولمن بعدهم بالمغفرة والتّجاوز ، لأنّ الصّحابة كانوا يبالغون في طلب الرّضى من اللّه تعالى ، ويجتهدون في فعل ما يرضيه ، ويرضون بما يلحقهم من الابتلاء من جهته أشدّ الرّضى ، فهؤلاء أحقّ بالرّضى ، وغيرهم لا يلحق أدناهم ولو أنفق ملء الأرض ذهبًا .

وذكر ابن عابدين نقلًا عن القرمانيّ على الرّاجح عنده: أنّه يجوز عكسه أيضًا ، وهو التّرحّم للصّحابة ، والتّرضّي للتّابعين ومن بعدهم . وإليه مال النّوويّ في الأذكار ، وقال: يستحبّ التّرضّي والتّرحّم على الصّحابة والتّابعين فمن بعدهم من العلماء والعبّاد وسائر الأخيار . فيقال: رضي اللّه عنه ، أو رحمه اللّه ونحو ذلك .

وأمّا ما قاله بعض العلماء: إنّ قوله: رضي اللّه عنه مخصوص بالصّحابة ، ويقال في غيرهم: رحمه اللّه فقط فليس كما قال ، ولا يوافق عليه ، بل الصّحيح الّذي عليه الجمهور استحبابه ، ودلائله أكثر من أن تحصر . وذكر في النّهاية نقلًا عن المجموع: أنّ اختصاص التّرضّي بالصّحابة والتّرحّم بغيرهم ضعيف .

هـ - التّرحّم على الوالدين:

9 -الأصل في وجوب التّرحّم على الوالدين قوله تعالى: { وَاخْفِضْ لهما جَنَاحَ الذُّلِّ من الرَّحْمَةِ وقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما } حيث أمر اللّه سبحانه وتعالى عباده بالتّرحّم على آبائهم والدّعاء لهم . ومحلّ طلب الدّعاء والتّرحّم لهما إن كانا مؤمنين ، أمّا إن كانا كافرين فيحرم ذلك لقوله تعالى: { مَا كانَ لِلنَّبيِّ والّذينَ آمنُوا أنْ يَسْتَغفِرُوا للمُشْرِكِينَ ولو كانوا أُولِي قُرْبَى } .

و - التّرحّم في التّحيّة بين المسلمين:

10 -ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الأفضل أن يقول المسلم للمسلم في التّحيّة: السّلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته ، ويقول المجيب أيضًا: وعليكم السّلام ورحمة اللّه وبركاته ، لما روى عمران بن الحصين أنّه قال: « جاء رجل إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: السّلام عليكم ، فردّ عليه ، ثمّ جلس ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: عشر . ثمّ جاء آخر ، فقال: السّلام عليكم ورحمة اللّه ، فردّ عليه ، ثمّ جلس ، فقال: عشرون . ثمّ جاء آخر ، فقال: السّلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته ، فردّ عليه ، فجلس ، فقال: ثلاثون » قال التّرمذيّ: حديث حسن . وهذا التّعميم مخصوص بالمسلمين ، فلا ترحّم على كافر لمنع بدئه بالسّلام عند الأكثرين تحريمًا ، لحديث: « لا تبدءوا اليهود ولا النّصارى بالسّلام » .

ولو سلّم اليهوديّ والنّصرانيّ ، فلا بأس بالرّدّ ، ولكن لا يزيد على قوله:"وعليك".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت