من يملك الرّقبة ولا يملك التّصرّف كالسّفيه عند غير الحنفيّة ، وكالصّغير والمجنون يمنع من التّصرّف في المال ، والحجر عليهم إنّما هو للحفاظ على أموالهم ، والأصل في ذلك قوله تعالى: { ولا تُؤتوا السّفهاء أموالكم الّتي جعل اللّه لكم قِيامًا } ، فأضاف الأموال إلى الأولياء ، لأنّهم مدبّروها ، كذلك أمر اللّه تعالى باختبار اليتامى وعدم دفع الأموال إليهم إلاّ عند إيناس الرّشد منهم . يقول تعالى: { وابتلوا اليتامى حتّى إذا بلغوا النّكاح فإنْ آنستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم } ، يقول ابن عبّاسٍ رضي الله تعالى عنهما: { فإن آنستم منهم رشدًا } أي صلاحًا في أموالهم . فالمنع من التّصرّف نظر لهم لأنّه يمكن تبذير المال بما يعقدونه من بياعاتٍ . لكن إذا أذن الوليّ للصّغير المميّز جاز تصرّفه بالإذن ، أمّا الصّغير غير المميّز والمجنون فلا يصحّ تصرّفهما ولو بالإذن .
حكم الإنماء بالنّسبة لمن لا يملك الرقبة ولا التّصرّف:
15 -من لا يملك الرّقبة ولا التّصرّف ، وله يد على المال ، سواء أكانت يد أمانةٍ كالمودع ، أو كانت يدًا معتديةً كيد الغاصب ، فإنّه لا يجوز له الإنماء ، إذ الأصل أنّه لا يجوز تصرّف أحدٍ في غير ملكه بغير إذن مالكه . وانظر للتّفصيل ( غصب . وديعة ) .
وسائل الإنماء
ما يجوز منها وما لا يجوز:
16 -تقدّم أنّ الأصل في إنماء المال أنّه مشروع ، إلاّ أنّه يجب أن يقتصر فيه على الوسائل المشروعة ، كالتّجارة والزّراعة والصّناعة ، مع مراعاة القواعد والشّرائط الشّرعيّة الّتي أوردها الفقهاء للتّصرّفات الّتي تكون سبيلًا إلى الإنماء ، كالبيع والشّركة والمضاربة والمساقاة والوكالة ، وذلك لضمان صحّة هذه العقود ، وليخلص الرّبح من شبهة الحرام ( ر: بيع - شركة - مضاربة ... إلخ ) .
ولذلك يحرم تنمية المال عن طريقٍ غير مشروعٍ كالرّبا والقمار والتّجارة بالخمر ونحو ذلك . لقوله تعالى: { وأحلّ اللّه البيع وحرّم الرّبا } وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم في الخمر: « لعن اللّه شاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها ... » الحديث . وقوله: « إنّ اللّه ورسوله حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام » .
ما يتعلّق بالنّماء من أحكامٍ:
17 -المال سواء أكان في يد مالكه أو يد المتصرّف فيه . أم كان أمانةً أو غصبًا ، إذا نما ، سواء أكان نماؤه طبيعيًّا أو ناتجًا بعملٍ ، فلنمائه أحكام ، تختلف باختلاف مواضعها . ولمعرفة تفاصيل ذلك ينظر مصطلح ( زيادة ) .
ثانيًا:
الإنماء بمعنى تغيّب الصّيد بعد رميه
18 -التّعبير بالإنماء بمعنى رمي الصّيد حتّى غاب عن العين بعد رميه ، ورد منسوبًا لابن عبّاسٍ رضي الله تعالى عنهما ، والغالب أنّ الفقهاء لا يستعملون هذا اللّفظ ، وإنّما ذكروا المسألة واستدلّوا على رأيهم بقول ابن عبّاسٍ ، جاء في بدائع الصّنائع: إذا رمى الصّيد وتوارى عن عينه وقعد عن طلبه ثمّ وجده لم يؤكل ، فأمّا إذا لم يتوار أو توارى لكنّه لم يقعد عن الطّلب حتّى وجده يؤكل استحسانًا ، والقياس أنّه لا يؤكل ، وروي عن ابن عبّاسٍ أنّه سئل عن ذلك فقال: كل ما أصميت ودع ما أنميت .
قال أبو يوسف رحمه الله: الإصماء ما عاينه ، والإنماء ما توارى عنه .
وقال هشام: الإنماء ما توارى عن بصرك ، إلاّ أنّه أقيم الطّلب مقام البصر للضّرورة ، ولا ضرورة عند عدم الطّلب . وفي المغني لابن قدامة: إذا رمى الصّيد فغاب عن عينه فوجده ميّتًا وسهمه فيه ولا أثر به غيره حلّ أكله ، وهذا هو المشهور عن أحمد ، وكذلك لو أرسل كلبه على صيدٍ فغاب عن عينه ثمّ وجده ميّتًا ومعه كلبه حلّ ، وعن أحمد إن غاب نهارًا فلا بأس ، وإن غاب ليلًا لم يأكله ، وعن أحمد ما يدلّ على أنّه إن غاب مدّةً طويلةً لم يبح ، وإن كانت يسيرةً أبيح ، لأنّه قيل له: إن غاب يومًا ؟ قال: يوم كثير . ووجه ذلك قول ابن عبّاسٍ إذا رميت فأقعصت فكل ، وإن رميت فوجدت فيه سهمك من يومك أو ليلتك فكل ، وإن بات عنك ليلةً فلا تأكل ، فإنّك لا تدري ما حدث فيه بعد ذلك .
وللشّافعيّ فيه قولان لأنّ ابن عبّاسٍ قال: كل ما أصميت ، وما أنميت فلا تأكل .
قال الحكم: الإصماء الإقعاص ، يعني أنّه يموت في الحال ، والإنماء أن يغيب عنك يعني أنّه لا يموت في الحال . وينظر تفصيل الموضوع في ( صيد ) .