الطوائف الأخرى التي عندها غلو في التكفير ونراها أنّها على غير منهج الحق وعلى غير منهج السنة في التعامل مع الأحكام الشرعية؛ من يكفّر بالاحتمالات. هناك أعمال شرعيّة صحيحة في دلالتها على التكفير، وهناك أعمال يُحتمل أنها تحمل التكفير ويحتمل أنها لا تحمل التكفير، فيأتي شخص فيظن أن القضية المحتملة صارت واضحة لديه، مع وجود الاحتمال لدى الآخر لكونه لا يريد الكفر في الأعمال غير الصريحة التي لم يأتِ الشارع بالنص عليه أنها لا تصدر إلّا من كافر بالله -عزّ وجل-، فهؤلاء عندهم غلوّ في التكفير لأنّهم يكفّرون بالأمور المحتملة أو بالمقاصد دون النظر لوجود الاحتمالات الصارفة لحكم التكفير عن هذا الشخص العامل أو القائل، فهذه الطوائف عندها غلو في التكفير.
هناك طوائف رأيناها على أرض الواقع -قريبة من أساس فكر الخوارج- تُكَفّر من لم يدخل في طائفته، كما في (جماعة الخلافة) [1] ، ولا أدري إن تغيّر هذا الأمر منها الآن، كانت تُكفّر من لم يدخل في طائفتها، وهذا هو أصل مذهب الخوارج؛ أنهم يكفّرون المخالف ومن لم يدخل في حكمهم وفي طائفتهم وفي جماعتهم، فهذه جماعات عندها غلوّ في التكفير ويجب أن نحذّر منها.
أمّا تكفير من قامت عليه الحجّة الرساليّة ومن ثبت تكفيره في الشرع؛ فلا يجوز لمسلم أن يتوقّف فيه، لا يجوز لمسلم أن يتوقف في تكفير من أمر الشارع بتكفيره والبراءة منه.
هؤلاء الطواغيت الذين حكّموا شريعة الكفّار، وبدّلوا دين الله -عزّ وجلّ-، واستهزأوا بالدين وبأهله، وحاربوا السنّة ولاحقوا الموحّدين، هؤلاء الذين والوا الكفّار موالاة كاملة ودخلوا في طائفتهم وفي أقبيته =هؤلاء يجب على كل مسلم أن يُكفّرهم وأن يتبرّأ منهم، لأنّ هذا هو حكم الشرع.
فإن زعم زاعم أنّ من كفّر هؤلاء الحكّام وتبرّأ منهم ودعا إلى تكفيرهم والبراءة منهم وإخلاص التوحيد لله -عزّ وجل-، =فمن زعم أنّ هذا عنده غلوّ في التكفير فهذا رجل مبتدع يريد أن يغيّر دين الله -عزّ وجلّ-، الأئمة قرّروا أنّ من الكفر -أي من الأعمال والأقوال التي تخرج المرء من الإسلام- كما قرّره القاضي عياض في كتابه (الشفا) :"منْ توقّف في تكفير الكفّار أو شكّ في كفرهم".
(1) جماعة قامت في بيشاور في التسعينات، دعت لبيعة أبي عيسى محمد الرفاعي خليفة للمسلمين، كثر في أتباعها الغلو في التكفير، وارجع الى مناظرة الشيخين أبي قتادة وأبي الوليد الأنصاري لرموزها.