والملك يقدر على ما لا يقدر عليه المالك من التصرفات العائدة إلى تدبير الملك، وحياطته ورعاية مصالح الرعية، فالمالك أقوى من الملك في بعض الأمور، والملك أقوى من المالك في بعض الأمور، والفرق بين الوصفين بالنسبة إلى الرب سبحانه وتعالى أن الملك صفة لذاته، والمالك صفة لفعله [1] .
«المالك هو من اتصف بصفة الملك التي من آثارها أنه يأمر وينهى، ويثيب ويعاقب ويتصرف بمماليكه بجميع أنواع التصرفات، وأضاف الملك ليوم الدين، وهو يوم القيامة، يوم يُدان الناس فيه بأعمالهم خيرها وشرها؛ لأن في ذلك اليوم يظهر للخلق تمام الظهور كمال ملكه وعدله وحكمته وانقطاع أملاك الخلائق، حتى إنه يستوي في ذلك اليوم المملوك والرعايا والعبيد والأحرار كلهم مذعنون لعظمته وخاضعون لعزته، منتظرون لمجازاته، راجون ثوابه، خائفون من عقابه، فلذلك خصَّه بالذكر، وإلا فهو ليوم الدين ولغيره من الأيام [2] .
5/ { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } .
أي نخصك وحدك بالعبادة والاستعانة؛ لأن تقديم المعمول يفيد الحصر، وهو إثبات الحكم للمذكور فيه عما عداه، فكأنه يقول: نعبدك، ولا نعبد غيرك، ونستعين بك، ولا نستعين بغيرك. وقدَّم العبادة على الاستعانة من باب تقديم العام على الخاص، واهتمامًا بتقديم حقه تعالى على حق عبده [3] .
«والعبادة في اللغة: من الذل، وفي الشرع: عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف، قال بعض السلف: الفاتحة سر القرآن، وسر الفاتحة هذه الكلمة { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } .
فإياك نعبد تبرؤ من الشرك، وإياك نستعين تبرؤ من الحول والطول والقوة والتفويض إلى الله عز وجل [4] .
والعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة.
(1) «تفسير الشوكاني» (1/71) .
(2) «تفسير السعدي» (39) .
(3) «تفسير السعدي» (39) .
(4) «تفسير ابن كثير» (1/14، 15) .