إن الشخص الغضوب كثيرا ما يذهب به غضبه مذاهب حمقاء، فقد يسب الباب إذا استعصى عليه فتحه وقد يكسر آلة تضطرب في يده، وقد يلعن دابة جمحت به. وحدث أن رجلا نازعته الريح رداءه فلعنها، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"لا تلعنها فإنها مأمورة مسخرة . وإنه من لعن شيئا ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه". وسيئات الغضب كثيرة ونتائجه الوخيمة أكثر، ولذلك كان ضبط النفس عند سوراته دليل قدرة محمودة وتماسك كريم . عن ابن مسعود قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"ما تعدون الصرعة فيكم؟ قالوا: الذى لا تصرعه الرجال . قال: ولكنة الذى يملك نفسه عند الغضب". وقال رجل للنبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ: أوصيينى ولا تكثر على لعلى لا أنسى ! قال:"لا تغضب"وهذه الإجابة المقتضبة خير ما يرد به على سؤال يصاغ في هذه العبارة ! وقد كان ـ صلى الله عليه وسلم ـ ينصح من جاءوه مسترشدين بما يلائم طباعهم ويوافق بيئتهم، وقد يوجز أو يطنب وفق ما تقضى به الأحوال . والجهلية التى عالج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ محوها كانت تقوم على ضربين من الجهالة، جهالة ضد العلم وأخرى ضد الحلم، فأما الأولى فتقطيع ظلامها يتم بأنواع المعرفة وفنون الإرشاد، وأما الأخرى فكف ظلمها يعتمد على كبح الهوى ومنع الفساد، وقد كان العرب الأولون يفخرون بأنهم يلقون الجهل بجهل أشد . ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا فجاء الإسلام يكفكف من هذا النزوان، ويقيم أركان المجتمع على الفضل فإن تعذر فالعدل، ولن تتحقق هذه الغاية إلا إذا هيمن العقل الراشد على غريزة الغضب. وكثير من النصائح التى أسداها الرسول للعرب كانت تتجه إلى هذا الهدف، حتى اعتبرت مظاهر الطيش والتعدى انفلاتا من الإسلام، وانطلاقا من القيود التى ربط بها الجماعة فلا تميد وتضطرب !"سباب المسلم فسوق وقتاله كفر". ص _103