والمثل الذى ذكره الحديث ليس إلا إبرازا لقيمة الرجل المحسن وتصويرا لرسوخه وسموه عندما يسبق في ميدان الخير . ومن عناصر القوة أن يكون المسلم صريحا، يواجه الناس بقلب مفتوح ومبادئ معروفة، لا يصانع على حساب الحق بما يغض من كرامته وكرامة أنصاره، بل يجعل قوته من قوة العقيدة التى يمثلها ويعيش لها. ولا يحيد عن هذه الصراحة أبدا في تقرير حقيقة ما . حدث أن كسفت الشمس على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم مات ابنه إبراهيم، فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم !! فقام رسول الله يخطب الناس، فقال:"إن الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته ولكنهما آيتان من آيات الله تعالى يُريهما عباده . فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة". ذلك أن الشخص الذى يحيا في الحقائق لا يتاجر بالأباطيل، فهو غنى عنها، وصراحته دليل على ثروة عريضة من الشرف، تغنى صاحبها عن الدجل والاستغلال ، وتقيم سيرته على ركائز ثابتة من الفضيلة والكمال . وقاعدة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر تنبثق من هذا السمو النفسى، لأنها تعتمد على مصارحة بما فرط منهم ابتغاء محوه لتثبت مكانه الصواب والخير . وقد شرحنا في كتبنا الأخرى الغايات الاجتماعية والسياسية التى ناطها الإسلام بقاعدة الأمر والنهى . والذى نريد توكيده هنا أن المسلم يجب أن يكون نقادة للعيوب الفاشية، جريئا في الحملة عليها، لا يتهيب كبيرا ولا يستحى من قريب، ولا تأخذه في الله لومة لائم .. وقد كره الإسلام أن يضعف الرجل أمام العصاة من الكبراء، وأن يناديهم بألفاظ التكريم . قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"إذا قال الرجل للمنافق: يا سيد، فقد أغضب ربه". ص _097