وقد كان الحكام الفجرة وأشياعهم يسمون تشبث المؤمنين بما لديهم، وتأميلهم الخير في المستقبل: وطمأنينتهم إلى أن ضعفهم الحاضر سيتحول قوة غالبة.. كانوا يسمون ذلك غرورا !! (إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم) . فالتوكل الحق قرين الجهد المضنى والإرادة المصممة ولم ينفرد التوكل عن هذه المعانى إلا في العصور التى مُسخ فيها الإسلام، وأصبح بين أتباعه لهوا ولعبا . ومما يجعل المسلم قويا أن يبتعد عن حياة الخلاعة والفجور، وأن يألف مسالك النزاهة والاستقامة فإن الرجل الخرب الذمة أو الساقط المروءة لا قوة له ولو لبس جلود السباع، ومشى في ركاب الملوك. وقد نصح الله قوم هود فأرشدهم إلى أسباب القوة الصحيحة، وكانوا عمالقة جبارين، فقال: (ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين) . وأراد رسول الله أن يزين الطاعات للناس، وأن يغريهم بأدائها، وأن يشرح لهم عظمة الإنسان عندما يفعل الخير ويراغم الشيطان ويسمو إلى الملأ الأعلى فضرب لهم هذا المثل في سياق حديث له، قال:"لما خلق الله الأرض جعلت تميد وتتكفأ فأرساها بالجبال فاستقرت. فتعجب الملائكة من شدة الجبال فقالت: يا ربنا هل خلقت خلقا أشد من الجبال؟ قال: نعم الحديد. قالوا: فهل خلقت خلقا أشد من الحديد؟ قال: نعم، النار، قالوا: فقل خلقت خلقا أشد من النار؟ قال: نعم، الماء قالوا: فهل خلقت خلقا أشد من الماء؟ قال: نعم، الريح، قالوا: فهل خلقت خلقا أشد من الريح؟ قال: نعم ، ابن آدم إذا تصدق صدقة بيمينه فأخفاها عن شماله"! . إن الإنسان، هذا الكائن العجيب، يعتبر سيدا لعناصر الكون كلها، يوازن أعتاها وأقساها فيرجحه ويربو عليه، يوم يكون شخصًا فاضلا ! ولكنه يُلعَن في الأرض والسماء ويرجحه الذر والهباء يوم يكون شخصًا ساقطا . ص _096