إن هذا الاضطراب لا يليق بالمسلم . قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفى كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أنى فعلت كذا لكان كذا. ولكن قل: قدر الله، وما شاء فعل، فإن ( لو ) تفتح عمل الشيطان". وعمل الشيطان هو تشييع الماضى بالنحيب والإعوال، هو ما يلقيه في النفس من أسى وقنوط على ما فات. إن الرجل لا يلتفت وراءه إلا بمقدار ما ينتفع به في حاضره مستقبله، أما الوقوف مع هزائم الأمس، واستعادة أحزانها والتعثر في عقابيلها، وتكرار لو، وليت، فذلك ليس من خلق المسلم، بل لقد عده القرآن الكريم من مظاهر الحسرة التى تتلجلج في قلوب الكافرين: (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير) . وقد جاء في الحديث:"من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله". والتوكل الذى يقوى الإنسان به ضرب من الثقة بالله، ينعش الإنسان عندما تكتنفه ظروفه محرجة. ويلتفت حوله فلا يرى عونا ولا أملا فالمكافح عدوا قوى الشكيمة، شديد البأس، على ضعف العدة وقلة الناصر، يحس عندما يتوكل على الله أنه أوى إلى ركن شديد، ويستمد من هذا التوكل ثباتا ورباطا، ويظل يقاوم حتى تبرق بشائر النصر خلال جو مكفهر، وقد بين الله تبارك وتعالى أن هذا التوكل كان غذاء الكفاح الطويل الذى قاوم به النبيون وأتباعهم مظالم الطغاه وبغى المستبدين . (وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون) . ص _095