وما يطعمه في بدنه، أو يطعمه أولاده وزوجته، له مثوبة بنية الخير التى تقارنه. عن سعد بن أبى وقاص أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال له:"إنك لن تنفق نفقة، تبتغى بها وجه الله ، إلا أجرت عليها، حتى ما تجعله في فم امرأتك". وقال:"ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة، وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة، وما أطعمت زوجتك فهو لك صدقة، وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة". والحق أن المرء ما دام قد أسلم لله وأخلص نيته، فإن حركاته وسكناته ونوماته ويقظاته، تحتسب خطوات إلى مرضاة الله، وقد يعجز عن عمل الخير الذى يصبو إليه، لقلة ماله أو ضعف صحته، ولكن الله المطلع على خبايا النفوس يرفع الحريص على الإصلاح إلى مراتب المصلحين، والراغب في الجهاد إلى مراتب المجاهدين لأن بُعد همتهم أرجح لديه من عجز وسائلهم؟ حدث في غزوة العسرة، أن تقدم إلى رسول الله رجال يريدون أن يقاتلوا الكفار معه، وأن يجودوا بأنفسهم في سبيل الله، غير أن الرسول لم يستطع تجنيدهم، فعادوا وفى حلوقهم غصة ؛ لتخلفهم عن الميدان وفيهم نزل قوله عز وجل (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون) . أترى أن الله يهدر هذا اليقين الراسخ، وهذه الرغبة العميقة في التضحية؟ كلا؟ ولذلك نوه النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ بإيمان أولئك القوم وإخلاصهم. فقال للجيش السائر:"إن أقواما خلفنا بالمدينة، ما سلكنا شعبا ولا واديا إلا وهم معنا، حبسهم العذر"؟ . إن النية الصادقة سجلت لهم ثواب المجاهدين، لأنهم قعدوا راغمين. ولئن كانت النية الصالحة تضفى على صاحبها هذا القبول الواسع، إن النية المدخولة تنضم إلى العمل الصالح ـ في صورته ـ فيستحيل بها إلى معصية تستجلب الويل (فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون * الذين هم يراؤون * و يمنعون الماعون) . ص _064